Friday, 7 April 1995

هيغـل والموت









"تعقّل الحيـاة ، تلك هي المهمة "

        في مطلع القرن التاسع عشر، وفي مرحلة باشرت فيها علوم الحياة خطواتها الاولى(1) وبدأت تستخلص سنّـة الموت من قوانين الحياة (2) ، وفي حقبة تاريخية انـتقالية شهدت تقلبات الثورة الفرنسية (3) وولادة الدولة الحديثة (النابوليونية) (4)، اراد هيغل (1770-1831) أن يكون فيلسوف الحياة والتاريخ، وعلينا ان نعـير كل عبارة من عبارات هذا التعريف انتـباهاً خاصاً لندرك أبعاده المختلفة.
        كتب هيغل في ريعان الشباب يقول : "تعقّل الحياة، تلك هي المهمة"(5). يمكن أن نفهم عبارة الحياة، هنا، بمعنيـين مختلفين : هي تشير، أولاً ، إلى السمات البيولوجية التي تميز ما هو حي (الإنسان والحيوان والنبات) عمّا هو جامد وتدخل الفرد في النوع وتنظم الخلية وسائر الوظائف في الجسم ؛ وهي تشير، ثانياً، الى العناصر الفاعلة والانفعالية في الميدان الانساني. وفي علم ظهور الروح (1807) (6)، أول كتب هيغل الرئيسية والمدخل الى نظامه واول اقسام هذا النظام (7)، نرى المؤلف يولي عناية كبيرة لصراع "السيد والعبد" ويتحدث باستفاضة عن "الوعي الشقي" و"اللذة"... وغيرهما من المفاهيم "الحياتية" التي لم يكن يعيرها الفلاسفة السابقون أي اهتمام.
        أما التاريخ، فهو صيرورة المجتمعات الانسانية، ويدخله هيغل في رسم عام يصوّر تـتابع الدول (الدولة الشرقية، الدولة اليونانية، الدولة الرومانية، الدولة الجرمانية أو الدولة الحديثة) (8)  على أنه "التطور الضروري للحظات العقل، ونتيجة ذلك، للوعي بالذات وحرية الفكر". (9)
        هذا، ولا تقلّ عبارة فيلسوف،(10)  في التحديد الآنف الذكر، أهمية عن عبارتي الحياة والتاريخ. فتعقّل الحياة والتاريخ هو بمثابة اخضاعهما للكلية العقلانية ويشكل توسيعاً لميدان الفلسفة واغناءاً له. يريد هيغل ان يعقل الواقع، كل الواقع بما في ذلك العوامل المأسوية التي يـبرزها ويشدد عليها. المأساة موجودة في الحياة وفي التاريخ لكنها أداة العقل وسبيله. (11) "ما هو عقلاني متحقق، وما هو متحقق عقلاني".(12)  ولم يستأهل احد المفكرين لقب الفيلسوف بقدر هيغل الذي لم يـبقِ عنصراً من عناصر الحياة أو الواقع الا وأدخله في فلسفته.
        وفي سعيها لتعقّل الحياة، لا تخاف فلسفة هيغل الموت ولا تـتغاضى عنه. بل تسعى، على العكس من ذلك، الى فهمه وتفسيره وتبريره. "لكن حياة الروح ليست تلك الحياة التي ترتدّ فزعـاً أمام الموت وتصون نفسها خالصة من الدمار، بل تلك التي تتحمل الموت وتقيم فيه"(13). وتكتشف حياة الفكر أن للموت وظيفة وأنه حاجة وضرورة.
        يـبرز الموت باشكال مختلفة في النظام الهيغلي. فهو يتماثل، اولاً، مع خاصية الانسان الاولى، النفي. وموت الفرد هو ، ثانياً، الشرط الضروري لاستمرار النوع. وتشكّل، مواجهة الموت، أخيراً، المرحلة النفسانية الضرورية لانـتقال الانسان من مجرد كائن حي إلى إنسان بكل ما للعبارة من معنى، أي الى وعي ذاتي (جدلية السيد والعبد).

" النفي أي الحريـة أي الجريمـة "

        يؤكد هيغل ان الرفض هو ما يـميّـز الانسان عن سائر الكائنـات وما يشكل سـمتـه الرئيسية. لا ريب أن الحيوان يرفض الأشياء التي تحيط به : فهو يـبيد النبتـة التي يلتهمها ويظهر، بذلك، ان رغبته رغبة نافية. لكن الانسان يذهب ابعد من ذلك بكثير: يستحيل تصنيف الانسان انطلاقـاً من معطى خارجي او موضوعي (عنصره، لونـه، هويته القومية، طبقته الاجتماعية...) لأن بامكانه رفض المعطيات كافة. يرفض الانسان واقعه المادي، ويرفض خصوصيته (في سعيه الى الكلية) ويرفض محدوديته (في سعيه الى تخطي الاوضاع القائمة). لا يقبل الإنسان الأشياء الخارجية كما هي، فيحوّلها بعمله، ولا يقبل بذاته كما هي، فيتعدّاها.  هنا تكمن حريته. الإنسان حر لانه قادر على قول "لا" وعلى مخالفة سنن الاشياء . وحريته هذه محرك التاريخ : الانسان كائن تاريخي قادر على التقدم اللامتناهي لان باستطاعته ان يرفض ايـاً من المراحل التي يـبلغها. يرفض الانسان كائـنه الطبيعي ويتخلص منه ويوجد بذلك كائـناً تاريخياً يحققه . لكنه لا يلبث ان يكتشف انه لا يحقق ذاته كلياً في هذا الكائن التاريخي، فيرفضه ويوجد كائـناً آخراً وهكذا دواليك... التاريخ اذا رفض فانجاز تاريخي فرفض لهذا الانجاز فانجاز اخر ... الى ما لا نهاية. وليس التاريخ نزهة سهلة. يتكلم هيغل عن "جِدّ النفي وألمـه وصبره وعمله"(14).
        الإنسان إنسان لأنه يقول لا. ويماثل هيغل بين هذا النفي، الذي هو حقيقة الانسان وحريته، وبين الموت: الانسان قادر على القضاء على الاشياء وعلى ذاته وهو انسان لانه يملك هذه القدرة. وفي احد نصوص شبابه، يوجز هيغل فكرته على الوجه الآتي: "النفي أي الحرية أي الجريمة"(15)... وفي مكان آخر يكتب : "هذا المطلق النافي، أي الحرية الخالصة، هو، في ظهوره أو تجليه Ersheinung، الموت، وتبرهن الذات حريتها وتخطيها المطلق لكل اشكال الاكراه بملكة الموت"(16). ويقول احد المعلقين (17)  على مؤلفات هيغل : "إذا كانت الحرية نفياً، من جهة، وإذا كان النفي موتـاً وعدمـاً من جهة أخرى، فلا وجود للحرية بلا موت وبامكان الكائن الفاني وحده ان يكون حراً. لا بل يمكن ان نقول ان الموت هو تجلي الحرية الاخير والأصيل".






عـدم تمـاثل الحيوان مع الكلية

        على الصعيد البيولوجي الصرف، يشكل الموت نقطة العبور الالزامية بين الخاص والعام، بين الفرد والنوع. يموت الفرد لكن النوع الذي ينـتمي اليه هذا الفرد يستمر وموت الفرد هو شرط استمرار النوع أو، بكلام آخر، الضريـبة التي يدفعها الفرد لاستمرار حياة النوع. فاستمرار الفرد في الحياة يحول دون تكاثر النوع وتحسنه واستمراره. "إن عدم تماثل الحيوان مع الكلية هو مرضُه الأساسي وجرثومة موته"(18).  للموت إذاً وظيفة بيولوجية وهو ضرورة للحياة.
        ويذهب هيغل أبعد من ذلك، فيلتقط الخيط الرفيع الذي يربط الجنس بالموت. ان الكائـنات الحية العديمة الجنس والتي تـتكاثر بواسطة الانقسام الذاتي لا تموت. الكائن الوحيد الذي يموت هو الكائن الجنسي الذي يعطي الحياة لكائن مختلف عنه. "ينفي" الوالد والوالدة ذاتهما و"يتخطيانها " في الوليد الذين ينجبانه. يتيح الولد استمرار الكلي عبر زوال الفردي . " لا يحافظ النوع على ذاته الا بفضل زوال الافراد الذين يتمّون، في عملية المزاوجة، تعيينهم (Bestimmung, détermination) ، وبقدر ما هم لا يملكون تعيينا أعلى، فهم يسيرون، عبر ذلك، الى الموت" (19).  ولا يصحّ هذا الكلام على الموت الطبيعي فحسب، بل انه يصح ايضاً على "الموت العنيف"، أي على الجريمة. عندما يقتل الحيوان حيواناً آخر من نوعه او من نوع مختلف يتصرف الفرد كنوع ويتطلع الى استمرار حياة النوع(20).
        ويوسع هيغل نطاق جدليته، فيدخل فيها بعض سمات الانسان الاجتماعية :"إن نمو الابناء هو موت الاهل"؛" يقتل المتوحشون في اميركا الشمالية اهلهم وهذا ايضاً ما نقوم  به"(21).  فالأهل يفقدون مبرر وجودهم عندما يربون اطفالهم ويمدونهم بمعارفهم وخبراتهم : "عندما يربّي الأهل طفلهم، يضعون فيه وعيهم المكتسب ويولّدون موتهم... ان وعي الاهل هو المادة التي يكبر وعي الطفل وينمو على حسابها... ويفقد الاهل ما يعطوه لابنهم؛ هم يموتون في طفلهم لان ما يعطوه اياه هو وعيهم الذاتي... يصير وعي عبر وعي آخر ويشاهد الأهل في نمو طفلهم الغاء ذواتهم الجدلي"(22). هدف موت الحيوان استمرار النوع؛ اما هدف موت الانسان فهو اكثر غنى واكثر تعقيداً : يتيح للبشر تخطي ذواتهم وللاجيال صناعة التاريخ.

الاهتـزاز والتـحقق

        يلعب الموت دوراً مهماً  في التجربة الانسانية اضافة الى عمله داخل النفي والى ضرورته لاستمرار الانواع الحية. فمواجهة الموت تجربة أساسية في تحوّل الإنسان الى إنسان، في انـتقاله من كائن حي الى كائن يدرك ذاته.
        الإنسان هو بدءاً حياة. وتـتجلّى هذه الحياة في الرغبة. تستهدف الرغبة الاشياء وتنفيها وتهدمها. القضاء على التفاحة ضرورة، مثلاً، لاشباع النهم. لكن، طالما الانسان رغبة فحسب، فهو لا يتمايز عن سائر الكائنات الحية وفي طليعتها الحيوان. الانسان يرفض مجرد انـتمائه الى الحياة ويسعى الى اثبات تعاليه عن الحياة : فهو يريد ان يكون وعياً ذاتياً . ولا يصيـر الانسان وعياً ذاتياً الا عندما يقرّ به وعي ذاتي آخر. فما  السبيل لذلك؟ السبيل هو المجازفة بالحياة او المخاطرة بها. عندما اجازف بحياتي، أثبت للآخر، ولاحقاً لذاتي، أنـني لا أعير الحياة اهتماماً وأن الحياة ليست جوهري، وانـني نتيجة ذلك، متعالٍ عنها.
        ويصبح الانسان وعياً ذاتيـاً لأن وعياً ذاتياً آخر يقرّ به. فإقرار الاخرين بـي هو الشرط الضروري لصيرورتي انسانا، لتحولي من حياة الى وعي بالذات، لانـتقالي من الصعيد الحيواني الى الصعيد الانساني. طالما لم يـقرّ بي وعي آخر بالذات، لست أنا سوى رغبة تـنفي الأشياء. "فبغير المجازفة بالحياة لا سبيل الى الحفاظ على الحرية ولا سبيل الى البرهان على ان ماهية الوعي بالذات لا تنحصر في الكينونة ، ولا في الشكل المباشر الذي تظهر فيه بادىء ذي بدء، ولا في الانغماس في سعة الحياة ؛ وانما يثبت المرء بالاحرى، بهذه المجازفة، ان الوعي بالذات لا يحوي حاضراً الا نزل عنده منزلة اللحظة الزائلة، وانه وجود للذات خالص، وليس الا ذلك "(23). وما يريد هيغل اظهاره هو ان الوعي بالذات يخرج، عبر تجربة المجازفة، على الكينونة الجامدة غير المنفصلة عن ذاتها والحاضرة ابداً اليها، ليصير وعياً خالصاً بالذات، حركة داخلية لا تشوبها أي شيئية ، كما يخرج ايضاً على الانغماس في الحياة والاستسلام لها، أي الحيوانية الخالصة.
        هذا، وينجم عن المجازفة بالحياة احتمالات ثلاثـة :
1- يجازف فردان بحياتهما ويسعى كل منهما الى إقرار الآخر به وينـتهيان الى إبادة متبادلة تحول دون إقرار أي منهما بالآخر. وفي فقدانهما الحياة، يزول وعيهما الذاتي لأن الحياة شرط لا بد منه لقيام الوعي الذاتي.
2- يجازف فردان بحياتهما وينـتصر احدهما ويقتل الاخر، لكن المنـتصر يجد نفسه في نهاية العملية كما كان في بدايتها : لم يكتسب شيئاً ولم يحقق شيئاً. فهو مرغم اذا  على تكرار التجربـة من جديد .
3- يجازف احدهما بحياته ، لكن الآخر يخاف عليها. وهكذا يستمر كلاهما في الحياة.
     يُـقَـرّ بالاول ويصبح سيّداً ويخضع الثاني لمشيئة السيد ويصبح عبداً . قايض العبد حريته بحياته وأبقى السيدُ عليه شرط قيامه بخدمته. " فبهذه الخبرة يقوم من ناحية  وعي خالص بالذات ومن الناحية الاخرى وعي ليس خالصاً لذاته، بل حاضراً لوعي آخر: أي وعي عنصره الكينونـة ، او مستقر على صورة الشيئيـة. هاتان اللحظتان لازمتان ؛ لكنهما، لما بينهما من التفاوت والتضاد، ما دام انعكاسهما في الوحدة لم ينـتج بعد، تتمثـلان كشكلين متقابلين من اشكال الوعي : احدهما الوعي المستقل الذي يؤلف قيامه لذاته ماهيته، بينما الآخر الوعي التابع الذي ماهيته العيش او      الوجود لغيره؛ أحدهما السيد والآخر العبد"
(24).

        يظهر انـتصار السيد للوهلة الاولى كاملاً : أصبح السيد وعيـاً بالذات واظهر انه يتخطى الحياة وأنه لا يخشى الموت. أُقـرّ بـه دون ان يقـرّ هو بأحد. وهو يستمتع نافياً الأشياء في استمتاعه. أمّا العبد فقد فَقـَد حريته وخضع : هو يُـقرّ دون أن يُقرّ به . وهو يلبـي كل رغبات السيد ليُـبقي هذا الاخير على حياته.
        لكن الجدلية تقلب الأمور رأساً على عقب وتبيّـن خداع المظاهر : فلا السيد سيد ولا العبد عبد، بل ان العبد هو سيد السيد وحقيقته.
        قلنا آنفاً ان الوعي بالذات لا يصبح وعياً بالذات الا عندما يقرّ وعي آخر بالذات به. والعبد يقرّ بالسيد. لكن السيد لا يقر بالعبد. فالسيد لا يرى في العبد وعياً بالذات، بل يرى فيه مجرد كائن حي. وهكذا فالسيد غير مقـرٍّ به من وعي آخر بالذات.
        يـبدو السيد متصلاً اتصالاً مباشراً بهاتين اللحظتين : الشيء كشيء، موضوع الرغبة والاستهلاك والإفناء ، والعبد الذي تشكل الشيئية ماهيته لأن أحداً لم يقـرّ بـه كوعي بالذات. لكنه، في الحقيقة، غير متصل بهما اتصالاً مباشراً لأنه لا يعرف الشيء الا عبر العبد (السيد يستمتع والعبد يعمل)، ولا يعرف العبد الا عبر الشيئية. وهكذا يكون السيد وحده "القوة النافية الخالصة التي الشيء بالقياس اليها عدم " : "يـبقى أن العرفان بالمعنى الصحيح للكلمة لا يزال يفتقد احدى لحظاته : تلك التي يُجري فيها السيد على نفسه ما يجريه على الفرد الاخر ويجري العبد على السيد ما يجريه على نفسه. ومنه لم ينـتج سوى اعتراف من جانب واحد، خالٍ من المساواة " (25).
        العبد الذي خاف الموت هو، بالمقابل، وعي بالذات. لمّا خاف العبدُ الموتَ، "السيد المطلق" (الذي يقر به الجميع دون ان يقر بأحد)، أدرك ذاته وتعرّف إلى وحدتها وشموليتها : فهو لم يَخَف على مقـتـنى من مقتـنياته (داره وأمواله...)، ولم يخف على عضو من اعضاء جسمه (يده مثلا...) ، لكنه خاف على كليته من العدم. "إن وعي العبد قد استشعر المخافة على وجه التحديد، لا بصدد هذا الموضوع او ذاك، لا خلال هذه اللحظة أو تلك، بل في صدد وجوده مجتمعاً، لانه قد حسّ رعب الموت، السيد المطلق. انه اذ حسه، قد تسرب الذوبان الى طياته الدفينة، ودبت الرعشة في اعماقه، وجميع ما قد رسَخَ فيه اهتـز" (26). السيد لا يدرك كلية وجوده ولا وحدته : فهو مبعثر في الاستمتاع ومجزأ في الرغبات. أما العبد فيدرك مجموع شخصيتـه ووحدتها ويخرجها هكذا من ميدان الاشياء الجامدة لتكون اهتزازاً خالصاً وتحقيقاً للنفي المطلق وللوجود للذات الخالص: "ولكن مثل هذه الحركة الكلية والخالصة، مثل هذه الاذابـة المطلقة لكل بقاء، لتلك هي الماهية البسيطة للوعي بالذات، النفي المطلق، الوجود للذات الخالص، الحالّ اذا في هذا الوعي نفسه" (26).
          في الخوف من الموت، يـبطل العبد شيئاً ليحلّ فيه النفي الخالص. وهكذا نعود الى نقطة البداية، أي النقطة التي انطلقنا منها مع قول هيغل : "النفي أي الحرية، أي الجريمة". الخوف من الموت يجعل الموت في داخل الانسان ويحوّل العبد الى موت نافٍ. وهكذا يجد الخوف نفسه وسط شبكة واسعة من العلاقات تؤكد التمايز عن الاشياء لتنـتقل الى تغيـير الاشياء ذاتها : " فالوعي الخادم يطّلع في السيد على الوجود للذات كأنه شيء مختلف، او هذا القيام للذات ليس الا لـه ؛ وفي الرعب، يحلّ القيام بالذات به ؛ أما في التكوين Das Bilden فيصبح له القيام للذات قيامه هو الخاص، وبذا يتوصل الى الوعي بكونه نفسه موجوداً في ذاته ولذاتـه" (27). العبد يدرك، من الخارج، الوعي بالذات متحققاً في السيد: هذا الوعي هو له وليس بـه . لكن اهمية هذا الادراك هي اكتـناه ماهية الوعي بالذات، ولو دون تحقيقها. لكن العبد، بفضل الرعب، يحقق هذا الوعي بالذات في داخله ويصبح اهتزازاً خالصاً ونفياً مطلقاً دون ان يدرك ذلك. أما في العمل ("التكوين")، فتتحقق وحدة ما هو لذاته وما هو بذاته : ينفي العبد الاشياء ويغيرها، فهو نفي خالص ورفض لكل ما هو خارجي وثابت؛ لكنه ايضاً تصوير للذات النافية في الموضوعات، وتحقيقها، ومـدّها بالبقاء والاستمرارية. وثمـة حلقة وسيطة بين الخوف والعمل هي الخدمة Dienst  : "فبغير قسر الخدمة والطاعة يـبقى الخوف شكلياً ولا ينسحب على الموجود في جميع ما يحضر له بالفعل" (27). الخدمة تعمم الانفصال عن الاشياء واستقلالية الذات وحركتها، لكنها لا تترك بصماتها على الكينونة ولا تغير في سحنـة الاشياء. "بغيـر النشاط التكوينـي يـبقى الخوف خوفاً داخلياً ابكم ولا يصير الوعي وعياً لذاته "(27). الخوف من الموت والعمل يتكاملان اذا في بلورة صورة النفي : "فالوعي إن أخذ في التكوين دون ان يخبر هذا الخوف الاول المطلق، لم يكن الا مسلكاً لاجـدّ في معناه الخاص؛ فما صورته او نفيـيّته بالنفيّـية في ذاتها... ان الوعي اذا لم ينصهر في الخوف المطلق وقف عند هذه المخافة الجزئية او تلك ، بقي بون بينـه وبين ماهيته النافية، وبقيت هذه دون ان تتغلغل في جوهره" (28).
        وهكذا تمـرّ خبرة الوعي" بمواجهة الموت عبر الآخر. وبمواجهة الآخر عبر الموت، وبتكامل الخوف والخدمة والعمل.


خـاتـمـة

        يمثل الفكر الهيغلي جمعاً بين الفلسفة اليونانية والديانة المسيحية. فهو، من جهة، يواجه الموت ويخضعه لتحليل لا هوادة فيه وهو، من جهة أخرى، يشدد على غنى تجربة الموت. ويمكن القول انه لم يعط لاي فلسفة أن تحمل الموت على محمل الجد مثلما حملته فلسفة هيغل.
        لكن السعي الى مؤالفة البعديـن المأسوي والعقلاني لم يجنّب هيغل الانـتقاد. يقول المفكر ادغار موران : "بين ضرورات الموت الثلاث - ضرورة الفكر الميتافيزيقية المطلقة، ضرورة النوع البيولوجية المطلقة، ضرورة المجازفة المطلقة في سبيل التقدم الانساني وتأكيد الذات - وحدها الضرورة الثالثة خاصة بالانسان، مسجلة في التاريخ وفي منطق التقدم ؛ اما الاولى فتقوم على خلط غير مبرر بين الموت والنفي واما الثانية فتقوم على واقع حيواني يتميز الانسان بمحاولة رفضه"(29). فهل هذا الرأي مصيب ؟ أظهرنا، في الواقع، ترابط الضرورتين الثالثة والأولى: الخوف من الموت يولّد الموت الداخلي، أي النفي الخالص، وليس في ذلك "خلط غير مبـرر"، كما يـبدو للوهلة الاولى، بل ان الحرية الانسانية ليست كاملة ما لم تُـتح لها الامكانيتان القصويان : إعطاء الموت للآخر (الجريمة) وإعطاء الموت للذات (الانـتحار). لذلك الموت مفجّر الحرية، والموت في الحريـة، والموت حدود الحرية ولا حدودها ايضاً. اما في ما خصّ الضرورة الثانية، أي الضرورة البيولوجية، فحسب هيغل انه استبـق معطيات العلم الحديث (30)، وانه واجه الموت في ابعاده كلها، و"أقام فيه"، بفكر علماني دنيوي لا يترك أي مجال لتسرب الخرافة.
        ما يمكن ان نعيـبه، ختـاماً ، على هيغل هو قهره الموت بالعقل وعدم افساح المجال لحب القدر خارج التفسيرات والغائية .

*راجع للمؤلف نفسه فارس ساسين وفي نفس الموقع الإلكتروني ASSASSINES  مقال : "ما الفلسفة؟                             ومقال: "الجدلية بين هيغل وماركس".




هـوامش

* محاضرة ألقيت في الجامعة اللبنانية - كلية الآداب والعلوم الانسانية - الفرع الرابع، وامام طلاب  السنة الثانية من اجازة علم النفس. كان محور التعليم لذاك العام ، في مادة "الفلسفات النفسانية  والاجتماعية، "الفلسفات الكبرى والموت".

(1) يقول ميشيل فوكوفي " ولادة العيادة"
Naissance de la clinique, Paris, PUF, 2ème édition revue, 1972, p. VIII
: "عيـّن الطب الحديث بذاته تاريخ ولادته وذلك في الاعوام الاخيرة من القرن الثامن عشر... وصف الاطباء، في بداية القرن التاسع عشر، ما ظلّ، إبّـان قرون كاملة، ما دون عتبة المرئي والمصاغ بالعبارة".
          راجع حول مفهوم “التنظيم” organisation  ، ودوره ووظيفته الجديدين في “منطق الكائن الحي"، خلال هذه الحقبة الزمنية :
François Jacob : la logique du vivant, une histoire de l’hérédité, Paris, gallimard,
                           1970, pp. 87-145.

(2) يؤكد فوكو، في المصدر المذكور سابقاً، ان عالم التشريع الفرنسي إكزافيه بيشا (1771-1802) هو الذي دشّـن المفهوم الحديث للموت بادخالـه تعديلات ثلاثة على التصور القديم : ليس الموت خاتمة الحيـاة فحسب، بل هو لصيق بكل لحظة من لحظاتها، إذ ان الحياة هي “مجموعة الوظائف التي تقاوم الموت" ؛ وفاة الفرد هي النتيجة العامة لوفيات جزئية كثيرة فيه ؛ "الموت العنيف" - لا "الموت الطبيعي"- هو نموذج الموت.

(3) كتب هيغل الى زلمـان (بتاريخ 23/1/1807) رسالة يقول فيها : "لم تتحرر الأمّة الفرنسية، بفضل حمام ثورتها، من مؤسسات تخطاها الفكر الانساني بخروجه من الطفولة وحسب... ولكن، اضافة الى ذلك، تخلّص الفرد من خوف الموت ومن نمـط الحياة التقليدي الفاقد صلابتـه كلها نتيجة تغيّـر الظروف؛ هذا ما يعطيها [أي الأمّة الفرنسية ] القوة الكبيرة التي تظهرها تجاه الآخريـن."
Hegel : Correspondance, I, Paris, gallimard, 1962, p. 130.

(4) كتب هيغل الى نيتهامر بعد معركة إينـا (1806) التي انـتصر فيها نابوليون على الجيش البروسي: " رأيت الامبراطور - ذات العالم هذه - يخرج من المدينة في مهمة استطلاع . ولأنه حقاً احساسٌ رائع أن يرى المرء هذا الفرد المركّز هنـا في نقطة، ممتطياً الجواد، يغطي العالم ويسيطر عليه "
Ibidem, I, pp. 114-115  نابوليون هو ، بـرأي هيغل، الحاكم الذي وضع القوة في خدمة الحق الجديد، وسـنّ شرائـع الحريـة البرجوازيـة، وعمّـم على اوروبـا كلها مبادىء الثورة الفرنسية في الحريـة والمساواة والإخـاء . راجع :
J. d’Hondt : Hegel. Textes et débats, le livre de poche, 1984, pp. 56-58.
          هذا وعرض هيغل نظريتـه في الدولة الحديثة لجهة تجسيدها "واقع الفكرة الاخلاقية "، وجمعها القانون والحريـة بصورة جوهريـة، في اخر مؤلفاتـه الكبرى : الخطوط الاساسية لفلسفة الحق المنشور في بـرليـن عام 1821 . راجع ايضاً :
E. Weil          : Hegel et l’Etat, Paris, Vrin, 1950.
B. Bourgeois : la pensée politique de Hegel, PUF, Paris, 1969.

(5) "كتابات الصبا اللاهوتيـة" . مذكور في F. Chatelet : Hegel, Seuil, 1968, p. 19.              
(6) كُتب هيغل الكبرى اربعة :
          أ) Phenomenologie des geistes . حمل الكتاب على غلافه العنوان الآتي : "نسق العلم؛ الجزء الاول : علم ظهور الروح ؛ 1807 ".
          ب) علم المنـطق (1812-1816) . يضم هذا الكتاب جزأيـن : الجزء الاول : المنطق الموضوعي وهو مؤلف من كتابين. الكتاب الاول : نظرية الكينونة، الكتاب الثاني : نظرية الماهية. الجزء الثاني : المنطق الذاتي او نظرية المفهوم. وما تشير اليه عبارة "علم المنطق" عند هيغل هو الفلسفة العامة او الميتافيزيقا.
Hegel : Science de la logique . Traduction J.P. Labarrière et g. Jarczyk ; (3 vol ;
            1972-1976-1981), Paris, Aubier Montaigne.
          ج) الموسوعة المختصرة للعلوم الفلسفية  . نشره هيغل  عام 1817 واعاد النظر فيه عامي 1827 و 1830 ، وهكذا عرف الكتاب ثلاث طبقات متباينة. يضم الكتاب ثلاثة اجزاء : 1) علم المنطق .  2) فلسفة الطبيعة (والمقطعان الاخيران من القسم الثالث فيه يتناولان الطبيعة النباتية (343-349) والبنية الحيوانية (350-376) . 3) فلسفة الروح وتضم ثلاثة اقسام: أ) الروح الذاتي واصبح "علم ظهور الروح" فيه (413-439) المقطع الثاني بين "الانـتروبولوجيا " و "علم النفس" ؛  ب) "الروح الموضوعي"؛  ج) "الروح المطلق" : الفن والدين السماوي والفلسفة .
Hegel : Encyclopédie des sciences philosophiques en abrégé, Tr. M. de Gandillac,
            Paris, gallimard, 1970.
G.W.F. Hegel : Encylcopédie des sciences philosophiques I la science de la
                                 logique... III la philosophie de l’esprit. Trad. B. Bourgeois, Paris,
                                 Vrin, 1979.


          د) Grundlinien des Philosophie des Rechts  أي الخطوط الاساسية لفلسفة الحق (1821) . يؤكد هيغل، في مقدمة الكتاب، ان المؤلف هذا يوسع القسم الثاني من "فلسفة الروح" في الكتاب السابق، أي "الروح الموضوعي".
          أما سائـر مؤلفات هيغل فهي، إما مقالات نُشرت إبـان مرحلة إينـا (1800-1807) ["الإيمـان والمعرفة " ؛ "الفرق بين نظامي فشته وشلنغ الفلسفيـين "؛ "علاقـة الشكوكية بالفلسفة"..]، وإما كتابات صبا ["حيـاة يسوع" ؛ "روح المسيحية ومصيرها "...] نُشِرت بعد وفاتـه بأقل من قرن (بعد 1907) ، وإمـا محاضرات القيت في الجامعات : في علم الجمال، في تاريخ الفلسفة، في فلسفة التاريخ، في فلسفة الديـن...

(7) تغيـّر موضوع كتاب هيغل وتصميمه ابـان تحريره. كان عنوانه الاول "علم خبرة الوعي"، وكان تصميمه ثلاثيـاً : أ) الوعي ؛  ب) الوعي بالذات ؛ ج) العقل. ويُـرى التصور الاول للكتاب في "المقدمة" Introduction  (الطبعة الالمانيـة، ص 53-62 ؛ الطبعة العربيـة، ص 65-75). توسّع الموضوع إبّان تحرير الكتاب ليضم اقسامـاً جديدة الى الاقسام الاولى : (BB) الروح ؛ (CC) الدين ؛ (DD) المعرفة المطلقة .
راجع  O. Pôggeler : Qu’est-ce que la “Phénoménologie de l’esprit » ? in Etudes          
hégeliennes, Paris, Vrin, 1985, pp. 145-236.                                           
P.J. Labarrière : Introduction à une lecture de La Phénoménologie de l’esprit ,
                          Aubier, Paris, 1979.
          ثمـة ترجمات فرنسية ثلاث للكتاب ، اهمها ترجمة جان هيـبوليت التي كان لها فضل اعادة الاهتمام العالمي (بما في ذلك الالماني) اليه ، بعد محاضرات الكساندر كوجيف في الثلاثينات من القرن الحالي والتي كان لها فضل تعريف هذا الوجه من هيغل الى باتاي ولا كان وارون ... وترجمة ثانية لمترجمي "علم المنطق" وهي ترجمة شديدة القرب من النص الاصلي وخاضعة لمعايـير دقيقة جداً :
Hegel : La Phénoménologie de l’esprit (2vol.), Tr. J. Hyppolite, Paris, Aubier
            Montaigne, 1939 et 1941.
Hegel : Phénoménologie de l’Esprit , présentation, traduction et notes par
            Gwendolyne Jarczyk et Pierre-Jean Labarrière, Paris, gallimard. 1993.
          هذا وترجم مصطفى صفوان (ناقل تفسير الأحلام لفرويد الى العربية) قسماً من كتاب هيجل الى لغـة الضاد (بيروت، دار الطليعة، 1981). ويضم هذا القسم : التصدير Preface الطويل الذي كتبـه هيجل بعد الانتـهاء من الكتاب ويشكل الرابط بينـه وبين "علم المنطق "؛ "المقدمة " ؛
 أ) الوعي ؛ ب) الوعي بالذات. ولترجمة صفوان مزايـا عديدة ويمكن الركون اليها، مما لا يلغي امكانية مناقشتها في بعض الخيارات. واهم هذه الخيارات ترجمته Geist "بعقل" [عنوان الطبعة العربية: علم ظهور العقل ] وترجمتـه Vernunft "بنـطق" (ص 5 و23).
(8) حول موقف هيغل من التاريخ راجع :
Phénoménologie de l’Esprit ; Section (BB) l’Esprit.
          والخطوط الاساسية لفلسفة الحق، المقاطع 341-360 .
          ومحاضرات هيـغل :
Hegel : La Raison dans l’histoire . Introduction à la philosophie de l’histoire (cours
            de 1830) . Tr. K. Papaioannon (coll. 10/18)
G. W.F. Hegel : Leçons sur la philosophie de l’histoire (publiées en 1837 et 1840),
                           Tr. J. Gibelin, Paris, Vrin, 1963.

(9) الخطوط الاساسية لفلسفة الحق، المقطع 342 .

(10) يرى هيغل في مقال قصير له ، منشور عام 1807، يعتبره هيدغر "افضل مدخل الى فلسفة المثالية الالمانية والى الفلسفة عامة، لجهة طريقة التفكير" ان تفكير عامة الناس ("البائعة"، "المستخدمة"..) هو التفكير المجرد (لانه لا يرى إلا أحد أوجـه الواقع) ، في حين ان التفكير الفلسفي هو التفكير "الملموس" (لأنـه يعايـن الأوجـه كلها).
Hegel : Qui pense abstraitement ? in Ornicar, no. 26-27, 1983, pp. 47-51.

(11) لا يكون أحد الفصح الفلسفي الا بالمرور "بالجمعة العظيمة النظريـة"، أي ان "المفهوم" يمـر بالضرورة بمراحل ثـلاث : 1) الانسلاخ عن الواقع المباشر (مرحلة التجريد).  2) ظهور المفهوم لذاتـه منفصلاً وغريـباً عمّا انسلخ عنه (مرحلة الازدواجية والمأساة والتباين بين المعرفة والموضوع) ؛ 3) تصالح المفهوم مع ذاتـه في اخرويتـه (وحدة المعرفة والموضوع).
راجع  P.J. Labarrière : le concept hégélien , identité de la mort et de la vie , in           
Archives de Philosophie, 33, 1970, pp. 579-604.                             
(12) هيـجل : الخطوط الاساسية ... التصديـر .
Hegel : Principes de la philosophie du Droit , Tr. R. Derathé, Paris, Vrin, 1982,
             p. 55.
          ويشرح هيجل معنى هذه العبارة في "الموسوعة "...
Hegel : Encyclopédie... I la science de la logique , Tr. Bourgeois, pp. 169-170.
(13) علم ظهور العقل ، ... ص 32 (مع تعديلات طفيفة في الترجمة).
(14) المصدر المذكور، ص 21 .
(15) هيغل : نسـق الأخلاق (1802؟) مذكور في
A. Kojève : Introduction à la lecture de Hegel, leçons professées sur la
                   Phénoménologie de l’Esprit de 1933 à 1939, Paris, Gallimard,1947, p.555.
(16) هيغل :  محاضرات 1803-1804 ، مذكور في المصدر نفسه، ص 556 .
(17) A. Kojève : op.cit. , p. 556.                                                                                     
يؤكد كوجيف أن هيغل ربط، في كتابات الصبا، بين الموت وكل من الحرية والفردية والتاريخانيـة، وان مؤلفاته اللاحقة استعادت هذه المسألة وعينـتها تعيـيناً أكثر دقـة .
(18) الموسوعة المختصرة ... ، المقطع 375
Hegel : Encyclopédie..., tr. de Gandillac, p. 345.
(19) الموسوعة المختصرة ...، المقطع 370  op. cit. , p. 342                                                 
(20) المصدر المذكور         ، المقطع 368  op. cit. , p. 340                                                 
(21) محاضرات 1805-1806 .
          حول مرحلة إينـا راجـع :      A. Koyré : Hegel à Iéna in Etudes d’histoire de la
pensée philosophique, Paris, Gallimard, 1971, pp. 147-190.                        
          حول المراحل السابقة للإينـا راجع :
B. Bourgeois : Hegel à Francfort ou Judaîsme - christianisme-Hegelianisme Paris,
                        Vrin, 1970.
J. Rivelaygue : Leçons de métaphysique allemande, T. I., Paris, grasset, 1990,
                         pp. 95-372.
(22) محاضرات 1803-1804 .
(23) علم ظهور العقل، الصفحة 144، مع بعض التعديلات في الترجمة .
(24) المصدر المذكور، ص 145-146 . استعملنا كلمة "الكينونة " لترجمة Sein بدل "الوجود"، مفضلين ابقاء عبارة "الوجود" لـ Existenz.
          هذا ويقتـرح جاركزيـك ولا باريـير (الترجمة المذكورة سابقاً، ص 222). اعتماد عبارة "الخادم" بدل "العبد" لترجمة Knecht الالمانيـة، واظن أنهما محقان في ذلك. لكننا ابقينا على عبارة "العبد" لشهرة جدلية السيد والعبد.
(25) المصدر المذكور، الصفحتان 146-147 .
(26) المصدر المذكور، الصفحة 148.
(27) المصدر المذكور ، الصفحة 149 لعبارة "التكوين" Das Bilden بعدان : تـثقيف الذات (اي تغيـيرهـا)، وتغيـير الاشياء الخارجيـة.
(28) المصدر المذكور، الصفحتان 149-150 .
(29) E, Morin : L’homme et la mort , Paris, Seuil, 1970.                                             
(30) J. Ruffié : Le sexe et la mort, Paris, Odile Jacob, 1986.                                       


Ksara, 7/4/1995










       


Saturday, 1 January 1994

AMINE MAALOUF & LE ROCHER DE TANIOS: UNE FORÊT DE PERES

Les Libanais attendaient le retour d’Amine Maalouf au pays natal et, en même temps l’appréhendaient. Leur crainte se nourrissait principalement du retard que mettait l’auteur à rejoindre ses sources, de sa défiance à embrasser une matière trop brûlante. Le rocher de Tanios * et son couronnement par le plus prestigieux des prix littéraires français leur furent, dans une conjecture terne, un grand réconfort et une agréable surprise. Les compatriotes, du moins les lecteurs, ont pris acte des aveux de l’auteur, de son amertume perceptible : « Qui dira jamais, à la suite de quel regard, de quelle parole, de quel ricanement, un homme se découvre soudain étranger au milieu des siens ? » (p.276) Ils ont apprécié les qualités patentes de l’ouvrage : l’effort pour retrouver et respecter une époque historique et la description vivante des mœurs de la Montagne pérenne ; la simplification, sans dénaturation, d’une situation complexe (avec quelle adresse l’auteur a pu sortir du dédale des communautés chrétiennes !) ; le glissement pondéré et rafraîchissant de vocables, d’expressions et de dictons libanais pleins de parfums dans le flot des phrases ; la limpidité du style perpétuellement en quête de couleur et de grain ; le talent de conteur en pleine possession de ses moyens ; l’animation des scènes ; la pudeur suggestive des descriptions…Par delà ces points importants, la réussite indéniable de l’œuvre demeure d’avoir donné vie et créance à un matériel archaïque ou folklorique par une option de facture moderne.
Le récit linéaire est amorti par une polyphonie qui l’épouse, l’agrée, le rend attachant, le découpe, le relance, le met à distance ou le répudie. La pluralité des perspectives se fonde sur la multiplicité des sources : la chronique ancienne d’un moine, « livre étrange, inégal, déroutant » (p.41) ; les éphémérides d’un pasteur anglais ; les carnets d’un muletier ; la tradition orale, elle-même plurielle. Un narrateur appartenant au village des faits relatés, complaisant, naïf et non sans malice se joue des sources et redouble ainsi l’amortissement du récit. Cette double distance (les sources, le narrateur) était nécessaire pour nous faire coller au « conte », à son climat, à ses péripéties.
Avant d’aller plus loin, je voudrais m’arrêter devant deux « trouvailles »nées du flair de l’auteur, de son érudition, de son imagination, deux « trouvailles » qui sans être nécessairement adéquates, n’en reluisent pas moins d’une vérité propre, littéraire, suggestive, plus vraies que nature. La première élabore une théorie des noms : le peuple de la Montagne chrétienne, celui « d’en bas », donnait à ses fils des noms de saints (Boutros, Roukoz, Wakim…), mais les cheikhs appelaient les leurs par des noms issus de la tradition arabe et islamique (Raad, Hosn, Abbas…)
La seconde relate un châtiment par l’hospitalité : pour punir le cheikh et son village, son beau-père et près de six cent personnes de sa suite abusent, en l’étalant sur six semaines, d’une hospitalité qu’on ne peut leur refuser et viennent ainsi à bout « du vert et du sec ». Curieux stratagème, en effet, et qui ne manque pas de projeter une nouvelle stratégie sur le « don » à partir des stratégies qui le subvertissent. A ces trouvailles comme à d’autres moins suggestives ou plus artificielles, Amin assigne des places de choix dans l’économie de son récit. La montagne en sort grandie. L’épisode de l’hospitalité prolongée (« l’été des sauterelles ») montre la délicatesse des équilibres et la sagesse des protagonistes prêts, pour préserver un avenir éternel, à « mordre leurs blessures » et à ne pas déclencher un cycle de haine et de vengeance. La manière par laquelle les gens sont mis sur la voie du vrai père de Tanios (le cheikh propose de le nommer Abbas) et celle par laquelle Tanios est acheminé vers la vérité (la charade du fou Challita : « Tanios Kichk ! Tanios kichk ! Tanios Kichk ! » du nom du plat bien préparé par sa mère et apprécié, politiquement au moins, par le seigneur) révèlent et dissimulent, insinuent plu qu’elles ne disent et revêtent le village libanais du manteau des cours royales et impériales sans lui faire violence.
D’où vient donc le malaise laissé par la lecture de l’ouvrage et non dissipé par l’énumération de ses indéniables qualités ? D’où vient cette déception vague, avare de son nom mais tenace et éprouvée par maint lecteur ? Ces sentiments nous semblent remonter à la cassure d’un récit qui n’arrive pas à trouver son registre, ou plutôt qui refuse à choisir entre deux registres de crainte d’en perdre un. Simplifions et nommons les : le conte et le roman. D’une part, Tanios est de bout en bout un être exceptionnel, un héros de conte. Il naît dans des circonstances énigmatiques et prémonitoires d’une mère hors du commun (« une sorte de princesse ») (p.31) dont le souvenir est perpétué par les dictons et les proverbes. Sa chevelure blanchit prématurément (« vieille tête »), ce qui ouvre la voie à tous les augures, l’inscrit dans une lignée légendaire (p.127) et le sauve de la mort (p.204). Sa disparition est encore plus mystérieuse que sa naissance. D’autre part, et mis à part ce haut fait, par ailleurs attesté par l’histoire, qu’est l’assassinat du patriarche, tout ce qui arrive à notre héros, à son village, à son seigneur, loin d’être singulier, s’inscrit dans des mœurs, une géopolitique et une histoire auxquelles l’auteur est très attentif. Qui plus est, l’énigme, sensée tourmenter le héros et animer sa conduite, est banalisée à l’extrême par le récit.
Lamia, en dépit de sa beauté, n’est pas la seule tentation du cheikh. Tanios n’est pas son unique bâtard comme nous le rappellent Hanna-ouzé et Boulos-ghammé (p.77). La convoitise du cheikh est même partagée par tous les féodaux de la Montagne et le maitre de Kfaryabda dit à son beau-père : « Et je ne t’ai rien fait que tu n’aies fait. Je me suis promené dans ton village, et dans tout ce vaste domaine qui t’appartient, la moitié des enfants te ressemble et l’autre moitié ressemble à tes frères et à tes fils ! » Réalisme et fantastique, roman et conte, merveilleux et histoire coexistent, s’interpénètrent même dans les recoins du récit, mais le cœur de l’œuvre n’arrive pas à se souder dans l’unité d’une forme artistique majeure.
Le personnage de Tanios est-il à l’origine de cette brisure ou en est-il simplement la victime ? Quelle que soit la réponse, sa pusillanimité accuse la cassure. A aucun moment, Tanios ne semble doué d’énergie ou doté d’initiative. Son maître anglais le juge ainsi : « Un immense appétit de connaissance et une intelligence vive, compromis par les soubresauts d’une âme tourmentée ». (p.102) Mais nulle part nous ne voyons à l’œuvre cet appétit et cette intelligence. Même son éducation chez le révérend Stolton ne semble pas lui avoir bénéficié : à l’exception de la traduction de la lettre des puissances à l’émir, élément extérieur à la trame du personnage, on n’en voit pas la trace ni à Chypre, ni au Liban. Tanios « avait…une douceur un peu féminine » (p.131). En fait, c’est un être passif et réactif. Dans des circonstances déterminées il proteste, mais pour pousser à l’action quelqu’un d’autre. Quand on veut l’enlever du collège, il fait une grève de la faim et sa tante, la khourriyyé agit et sauve la situation : « Tanios avait obtenu, par une ébauche de mort, une ébauche de paradis » (p.129). Quand le patriarche détourne sa médiation au profit de son neveu, c’est le père de Tanios qui se précipite pour l’assassiner de peur que son fils ne « se tue ». La géorgienne Thamar le conduit dans sa chambre. Son désir de venger son père ne donne lieu à aucun plan et ne va jamais au-delà du vague souhait. Mandaté par les Puissances auprès de l’émir, il est facilement manipulé par son directeur de police. Le « passage » par Tanios du déclenchement de la guerre civile ne peut lui être totalement imputé. Mais nous pouvons affirmer qu’il n’a pu l’empêcher. Suivant les paroles du cheikh, il aurait « manqué de sagesse et de fermeté », mais non de « courage »(1) (p.272). La disparition finale n’est donc que le point extrême d’une existence caractérisée par l’absence et la démission.
- 4 -
Nous nous trouvons donc devant un Hamlet sans dimension tragique, sans la magie du verbe shakespearien (malgré les tentatives de Tanios en italique), un prince d’Elseneur incapable de ces virevoltes qui le font passer de la paralysie méditative à l’action précipitée. Comment « l’âme tourmentée », dont la vie interne nous reste cachée, vient-elle à bout de l’intelligence et de l’énergie du personnage principal et lui ôte-t-elle toute envergure et toute consistance ? ce qui est à noter, c’est la forêt de pères au milieu de laquelle se déplace le héros. Le cheikh – la figure la mieux brossée et la plus vivante du récit – est le père archétype qui nomme tous ses sujets « yabné » et fait régner un « paternalisme intégral… survivance d’un âge primordial d’enfance et d’innocence » (p.22). Gérios le père patronymique dont le forfait lui fait mériter le cri « Bayyé », « il avait dû se transformer en assassin pour mériter d’entendre à nouveau ce mot » (p.127). Le père –pasteur Stolton fait de Tanios « le fils de la maison » (p.131) et lui procure sa mission triomphale près de l’Émir. Le père-beau père Roukoz est l’alter ego de Gérios : il a rempli les mêmes fonctions mais a refusé la servilité et la honte des cornes ; son insoumission ne vaut d’ailleurs pas mieux que l’obséquiosité de Gérios : sa laideur, son diwan vide, ses choix politiques douteux…contrebalancent amplement sa richesse et sa révolte. Bouna Boutros, le père religieux, toujours présent par ses conseils et son bon sens. L’Émir, père archétype, dans le palais duquel Tanios est heureux de ne pas être considéré « comme un fils de condamné »( !) (244) et qui améliore son sort (le choix de son lieu d’exil) par ces mots adressés au fils de Gérios trompé et assassiné : « Dis un mot, mon fils ! »(249). C’est l’Émir qui, au sommet de sa puissance, prononce la sentence qui réserve le châtiment uniquement à Gérios et Raad. Ces mots sont alors laconiques et féroces [« un père et un fils » (208)] comme si le lien de filiation n’avait cure des êtres qui s’y inscrivent.
Tanios se fait des pères encore plus que le Cheikh ne fait d’enfants, pères protecteurs et respectés dont la panoplie vient émousser toute dimension prométhéenne chez le héros. Face à ces pères, que valent les fils ? Raad l’inepte, uniquement préoccupé de la considération due à son nom et férocement broyé par le pouvoir établi ? Tanios le réactif ? Seul Kahtane Beyk se révèle à la hauteur de la tâche : il est sûr de ses droits, a décidé la vengeance et n’est pas dénué de sagesse(257). Est-ce parce qu’il est aux franges du récit et sert à mieux mettre en lumière l’indécision de Tanios ? Est-ce parce qu’il est féodal fils de féodal alors que Tanios est roturier batârd de féodal ? Est-ce parce qu’il est druse et soumis à la pression des siens ? (2) Est-ce parce qu’il est l’instrument de coutumes ancestrales (la vengeance) qui ne se remettent pas en question ? Aucune réponse n’est à exclure.
-5-
Dans ce monde de filiation réelle ou supposée, vraie ou nominale, légitime ou illégitime, mais universellement ombrageante, la relation horizontale d’égal à égal est denrée rare. La seule personne avec laquelle Tanios entretient une liaison amicale s’appelle justement Nader (=rare). Ce muletier est attaché aux idéaux de la littérature française ; il s’écrie : « Abolition des privilèges ! » (220) quand il aurait pu dire : « Liberté, Égalité, Fraternité ! » ; mais il se trompe lourdement sur la signification des événements locaux et est l’objet d’une réprobation générale. Si ses allées et venues ne cessent de harceler un récit dont il n’est qu’aux marges, le principal conseil qu’il donne à son « ami » est de quitter le village (276). Quand la fraternité apparaît dans le texte, elle est ravalée au second rang ou sert à qualifier une situation répréhensible. « Depuis que je t’ai connu, Saïd beyk, le mot voisin est plus agréable à mes oreilles que le mot frère »(91). Roukoz présente ainsi les officiers du Vice-roi d’Égypte à son « propre fils » : « des frères et encore mieux que des frères »(142), ce qui permet au pasteur anglais d’ironiser : « Rien de moins qu’une réunion de famille » (ibidem). Gérios, toutefois, avant d’être appelé père par Tanios, a droit de la part du féodal à un « Khayyé » qu’il reçoit pieusement : « ‘Khayyé, avait-il dit ?’ Mon frère ? L’intendant eut deux larmes de contentement… » (165). La sororité semble mieux seoir aux royaumes des femmes. D’une part, Lamia, souvent absente de l’action, a une sœur, la khourriyyé, le personnage le plus entreprenant du livre et l’un des mieux campés après le cheikh ; de l’autre, toutes les femmes du village, quelles que soient leur jalousie, « lui parlaient comme à une sœur. Même la cheikha lui témoignait de l’amitié… » (31).
* * *
«Il ressemblait à Lamia comme s’il était né d’elle seule » (131). Le rêve d’être issu de sa seule mère, mère incomparable, unique, au dessus de tous les hommes et au-delà de tous les clivages, a été caressé pour Tanios. Mais, dans la réalité, le héros ploie sous le poids des pères et n’arrive pas, dans un monde de fraternité difficile, à échapper à leur multitude, à leur modèle unique, à leur ombre portée. La disparition est l’alternative magique. Que l’absence définitive soit liée non à son symbole habituel, l’eau, mais à un rocher, signe d’endurance et de résistance, est l’effet d’une tension toujours vive.
-6-
En installant son « roman familial » propre dans une intrigue historique, Amin Maalouf, au prix d’une brisure du récit et d’un héros pusillanime, a-t-il mis le doigt sur le roman familial libanais ? A-t-il touché les raisons de la paralysie de tout jeune libanais féru de renouvellement social, attaché à sa propre intégrité, mais incapable de prendre sur lui sa destinée et de l’assumer ? Avons-nous trop de pères, un père anglais, un père français, un père local, des caricatures serviles ou révoltées de ce père, un père religieux, un père par alliance, un père de la tribu voisine, un père gouverneur… ? Comptons-nous sur des pères pour combattre d’autres pères ? Les Libanais ont-ils en Tanios le Hamlet qu’ils méritent ?
Ce qui est certain, c’est qu’Amine Maalouf a écrit, sous les dehors d’un best-seller, une œuvre profondément trouble et troublante.
NOTES
* Éditions Grasset, Paris, 1993. Les chiffres renvoient aux pages de cette édition.
(1) Le plus haut fait d’armes de Tanios est rapporté ainsi par le cheikh : « Sachez que pour se tenir face à l’Émir et lui notifier sa destitution et son bannissement, il faut cent fois plus de courage que pour faire trancher la gorge à un homme ligoté. » (272). La comparaison est évidemment très ambiguë. Mais nous savons que Tanios ne remplit un tel rôle que mandaté par les Puissances victorieuses et manipulé par l’Émir et son chef de police.
(2) Kahtane beyk : « Si je lui pardonnais moi-même, mes frères et mes cousins ne lui pardonneraient pas, et m’en voudraient à mort pour ma complaisance. »(257)

Saturday, 30 January 1988

NAWAF SALAM TOPOGRAPHE DES GUERRES DU LIBAN

VERS UNE TOPOGRAPHIE DES GUERRES DU LIBAN: RAISON ET COMPARAISON

Nawaf Salam : Mythes et Politiques au Liban, Editions FMA, 1988.

Sous un titre alléchant qui n’est pas sans rappeler les ouvrages pionniers de J.P. Vernant sur la Grèce antique (les pluriels sont là pour indiquer l’empirisme et la modestie de la démarche), Nawaf Salam, à qui l’on doit sur l’insurrection de 1958 un très vaste corpus et l’une des plus volumineuses thèses jamais soutenues en Sorbonne (1) , vient de rassembler dans un élégant petit fascicule trois courts essais pensés et écrits en 1979-1981. Les deux premiers portent sur les débuts de « la guerre civile libanaise » (« la thèse du complot : mythes et fonctions », « la guerre civile en 1975-1976 : lecture dans le miroir des mémoires »), le dernier sur « l’insurrection de 1958 revue et corrigée par marxistes et modernistes ». Nous reviendrons sur les arêtes de ce triptyque.
Les enjeux sont, d’emblée, définis et ils sont doubles, sinon contradictoires ; il s’agit de mener de front un double combat, de reconnaître l’impact social des mythes politiques du Liban contemporain tout en dénonçant leur contenu, bref d’être à la fois politologue et polémiste.
Mythes, « idéologie », « interprétations », « perceptions », imaginaire, vécu : les termes importent peu à Salam et il va droit à la chose, faisant fi des interminables débats sur la pertinence de la notion d’idéologie. Le mythe n’est pas un échafaudage cynique ni une construction menteuse. Il ne s’oppose pas à la réalité comme son Autre, non seulement il y puise ses éléments et s’appuie sur des « réalités irréfutables » (p. 73), mais il est lui-même une réalité avec laquelle toute politique doit compter et que toute science sociale doit interroger. Toutefois, les éléments d’un mythe et sa pesanteur ne font qu’acheminer vers son épaisseur propre. Il reste « une construction de l’imaginaire » faisant fonctionner « ses propres schèmes interprétatifs, ses fixations et ses fantasmes » (p.70). Dans un contexte auquel il répond, le mythe mobilise, fait voir, fait agir et fait vivre. En tant que tel, il est incontournable et nous devons évaluer ses racines, définir son pourtour social et distribuer son économie interne. Mais l’auteur soucieux de Vérité et d’Avenir se doit de le réfuter pour sortir de « l’espace conflictuel des perceptions » (p. 59) où des acteurs voyants et aveugles se complaisent depuis plus de douze ans et pour commencer à dessiner la « topographie » (l’expression revient à deux reprises pp. 43 et 59) de ce que l’auteur appelle, d’une manière un peu rapide et unilatérale, sans doute, « la guerre civile libanaise ».
Flèches et sarcasmes
A partir de là, nous pouvons comprendre le plan de l’ouvrage ou l’ordre des articles, diptyque ou triptyque selon qu’on l’envisage. Salam part d’un mythe déterminé (le complot) tel que s’en sont multipliées les versions durant les premières années de la guerre pour l’insérer dans un contexte plus global, la totalité du Vécu où se jouent les notions de Soi, de l’Autre et de l’Histoire…ainsi que les dévoile une série de mémoires politique parus en 1977-1978 ( Crise au Liban de C. Chamoun, Pour le Liban de K. Joumblatt et Palestiniens sans patrie d’Abou Iyad). Notons, en passant, et cela Salam le montre avec finesse, que ces trois vieux routiers, qu’on pourrait penser se jouant de l’Idéologie plutôt que d’en être les jouets, ne peuvent inscrire leur action pragmatique que dans un moule mythique prédéterminé ( la sauvegarde d’une entité libanaise à prédominance chrétienne pour Chamoun, la restructuration d’une autonomie libanaise mieux insérée dans le Monde arabe au bénéfice des druzes pour Joumblatt, et l’autonomie absolue de l’action palestinienne pour Abou Iyad).
Le troisième essai opère un double retour en arrière puisqu’il se préoccupe de l’insurrection de 1958 et qu’il passe au crible des analyses que l’actuelle guerre a vite fait d’enterrer, celles des marxistes et des évolutionnistes soucieux de classes sociales et de « modernisation ». A notre avis, l’auteur a bien fait de garder cette contribution pour la fin du volume : elle lui permet d’affronter les « intellectuels » après avoir étudié les politiciens et les politiciens-ideologues (les mémorialistes). La morale est claire : il ne suffit pas de sortir du Vécu pour pénétrer dans la « science ». de nombreux universitaires occidentaux, aussi bien soviétiques qu’américains (Hudson, Hottinger …), et leurs adeptes libanais (des marxistes à Elie Adib Salem) se sont lourdement trompés sur la réalité libanaise, et Salam leur décoche à cœur joie ses flèches et ses sarcasmes. Il nous semble toutefois être un peu injuste pour le groupe Lubnan al – Ishtiraki qui parait totalement décalé des réalités avec son « mode de production des services » (p. 92) là ou il fallait lire « mode de production capitaliste des services », notion dont des sociologues de tout bord ont depuis usé et abusé.
Bien que le projet en soit tentant, il ne saurait être question pour nous de résumer ici un ouvrage à la fois mince et foisonnant, et dont la lecture est recommandable à plus d’un titre. Nous nous contenterons seulement de souligner ce qui fait à la fois se force et sa faiblesse.
Triple force
La voie royale empruntée par l’auteur pour atteindre ses objectifs nous semble être la comparaison et le tableau synoptique. Tel est le fil méthodologique qui relie les trois essais contenus dans l’ouvrage. Il s’agit de montrer, à partir d’un sujet déterminé (le complot ou l’insurrection de 1958) ou de forme définie (les mémoires politiques) le jeu des séparations et des confluences mythiques et mythico-scientifiques. Une telle méthode nous semble douée d’une triple force :
(1) En comparant des productions idéologiques, elle met sur le même plan l’imaginaire des diverses communautés et forces politiques et montre par là que le mythe est « la chose du monde la mieux partagée » dans l’univers politique libanais. Naguère encore, un opuscule de Kaslik (le numéro 12 de la série arabe « la question libanaise » publié juin 1976, pp. 31-32) s’excluant de l’arabisme, accusait la langue arabe, où le sujet du verbe est parfois implicite, d’être responsable de « la morbidité de la raison arabe » qui tend à diluer les responsabilités en évoquant « le complot, le plan, le sionisme ». Or il suffit de livre le premier essai de Salam pour voir comment les forces politiques de tout bord ont crié au complot en 1975-1976. La comparaison se révèle ici la voie obligée de la raison.
(2) Après avoir mis sur un même plan tous les mythes politiques, la méthode: comparative cherche à faire ressortir les mécanismes communs qui président à leurs options et classifications. Là aussi, elle décèle sous les différences tapageuses des ressemblances muettes.
(3) La méthode comparative opère parfois des rapprochements inattendus et met en lumière des confluences surprenantes. Nous sommes ainsi étonnés d’apprendre, par exemple, qu’une même grille de lecture ait servi aux marxistes libanais et aux évolutionnistes américains pour décrypter « la crise » de 1958 : celle-ci serait due à la discordance entre modernisme et rapports traditionnels (pp 91-102). Ce troisième point n’a peut être pas une valeur scientifique pure ou certaine, il n’en reste pas moins une garantie de l’intérêt de la vivacité et de la pertinence de la recherche.
Toutefois, la méthode comparative, telle qu’elle est employée, nous semble grevée de deux faiblesses :
(1) Elle risque, dans son ardeur taxinomique, de faire prévaloir les traits formels sur la pesanteur sociale et de ranger dans une même rubrique des mythes de structure semblable mais nés de forces sociales différentes, dans des contextes différents. La fonction de « communisme international » dans le discours de Pierre Gemayel est, par exemple, différente de celle du maronitisme dans celle de Kamal Joumblatt même si l’accusation de complot est la même dans deux cas.
(2) Le comparatiste donne souvent l’impression d’un collectionneur de pierres de silex qu’il déterre, polit, classifie et série pour les exhiber dans vitrine où elles sont bien exposées, mais empêchées de produire des étincelles. On ne peut reprocher au comparatiste de ne pas expliquer ce qu’il montre : tel n’est pas son but. Mais on est en droit de lui demander de ne pas trop laisser séparés les éléments qu’il ne confronte qu’extérieurement ou peut- être qu’il ne confronte pas assez.
Cela dit, il faut rendre justice aux tentatives de l’auteur de pallier les défauts de sa méthode. L’essai sur le complot où Salam ne néglige aucun élément pour bien circonscrire son sujet - des croyances préislamiques aux djinns à l’exigence de rationalité que comporte l’idée de complot en passant par l’importance accordée à l’absence de climat démocratique dans des accusations de conjuration trop facilement portées (pour ne citer que ces trois éléments) - demeure un exemple de probité intellectuelle. Nous saluerons, enfin, la maturité avec laquelle un intellectuel arabe traite du problème de l’antisémitisme, qui n’y est pas allé de main morte dans la fabrication des mythes, et qui est devenu lui-même un grand mythe.
1) «L’insurrection de 1958 au Liban », thèse soutenue à Paris – Sorbonne sous la direction de professeur Dominique Chevallier, 1979(six tomes ronéotypés).
L’Orient – Le Jour
Samedi 30/1/1988