Tuesday, 5 June 2018

الإحباط المسيحي في لبنان نهاية القرن الفائت





من مسرحية بيكيت نهاية اللعبة
الاحباط ومسرح العبث[1]
        هل كان صموئيل بيكيت، الكاتب الإيرلندي المقتصد العبارة إلى أبعد الحدود، يتحدث عن الوضع الإنساني العام أو عن أزمة الأديب المعاصرلما ورد على لسانه: " أن لا تريد أن تقول شيئاً، أن تجهل ما تريد قوله، ألا تكون مقتدراً على ما تظن أنك تريد قوله، وأن تظل تقول، مع ذلك، أو تكاده" ؟ مهما يكن من أمر، لم يرد بخاطر صاحب نهاية اللعبة أن عبارته هذه تصلح وصفاً بليغاً لحالة معينة ألقت بكاهلها على فريق لبناني في مرحلة محدودة من تاريخه، ما زلنا نجهل ما ستؤول إليه. أما الفريق، فهو مسيحيو لبنان (أو موارنته)، أما المرحلة، فهي الأعوام التي تفصل اتفاق الطائف عن انتخاب العماد إميل لحود رئيساً للجمهورية، أي ما يقارب العشرة أعوام (1989-1998). أما الحالة، فهي ما أطلق عليه تسمية الآحباط وما وصفه البطريرك الماروني في رسالة الفصح للعام 1994 [2] على أنه "إنكفاء عن المشاركة في مسيرة الدولة".
        تُرى كان جوهرُ المسألة في غياب الإرادة لتجاوز الأوضاع المشكو منها، وهو معنى الاحباط الأصلي؟ أم تُرى كان في غياب التصوّر الواضح والكامل لهذه الأوضاع، رغم التعدادات الطويلة والمحققة لخروقات وثيقة الوفاق الوطني والتوازن العام؟ أم كان في القدرة الفعلية على الخروج من المأزق؟ أم كان أخيراً في غياب حيز التعبير الحر عن الهموم الفعلية؟ تنقل الأسئلة الأربعة هذه مسألة الاحباط من الأسباب الموجبة –التي عددّها كل من فريد الخازن ومحمد حسين شمس الدين وفصّلها في ميدان عودة المهجرين كمال فغالي- إلى ردّة الفعل الأساسية على هذه الأسباب: لماذا أدّى القهر إلى استقالة المقهورين من العمل العام اللبناني وهم وظفوا فيه تاريخهم ومستقبلهم كجماعة حرة متعايشة مع غيرها، ولم يؤدِ إلى استجماع قوى المقاومة واستنهاض رافعات الرفض بصور فاعلة وإيجابية؟
        قبل الإجابة عن الأسئلة المطروحة، علينا تبديد التباسات عدة يمكن أن تُعزى إلى صياغتنا. ما قلناه لا يعني أبداً أن وحدة المسيحيين السياسية والفكرية في لبنان متحققة أو قابلة للتحقيق. وهو لا يعني أيضاً أن على المسيحيين سلوك طريق واحدة في الممانعة، أو أن هكذا طريق موجودة ومرسومة. وهو لا يعني أخيراً أن البديل عن الاحباط نهج يقتصر على المسيحيين دون سائر اللبنانيين. بل إن أحد أوجه المشكلة هو في ما أوجزه لي مرة وزير سابق على الوجه الآتي: التلاقي مع المسلمين في خطوة رامية إلى استعادة القرار اللبناني ممنوع، والتحرك بدون المسلمين له صبغة طائفية سهلة التطويق والتهشيم. المشكلة اللبنانية تتطلب حلاً لبنانيا وإلا تناقضت الوسائل مع الأهداف وفقدنا أرضاً نريد عليها بناء الدار.

***
        السؤال الأول: هل حرية التعبير، في المواضيع الجوهرية التي قادت إلى "الاحباط" متاحة إتاحة وافية؟ لا ريب أن حيّز التفكير العلني ما زال في لبنان أوسع منه في البلدان العربية المجاورة. وهو متاح ربما للمسيحيين أكثر منه لأبناء سائر الطوائف الذين يمكن أن يتعرضوا لاشكال إضافية شتى من الإرهاب المادي والمعنوي. لكن لحرية التعبير في المسائل الأساسية حدود. تبدأ هذه الحدود من ذكرى الاغتيالات والتصفيات التي لم تمر عليها عقود بعد، وتنتهي بالعراقيل في الحياة اليومية التي يرى المواطن العادي أنه بغنى عنها. والمحظور(باستثناء المحرمات المطلقة) غير معروف الحدود سلفاً وهو قابل للتوسيع والتضييق: فالنقد مقبول إذا أفاد للتنفيس ومهّد لللاستيعاب، وهو محرّم إذا اندرج في سياق عملي. وغياب الإشارات الواضحة إلى المحظورات يقود إلى استيعاب الناس للرقابة، وإلى تحويلها لرقابة ذاتية. وخير مثال على الرقابة الذاتية المقولة التي يكررها أهل السياسة في هذه الفترة: " الوجهاء اللبنانيون يقحمون السلطات السورية في الشؤون الداخلية اللبنانية، وبودّ هذه السلطات لو يريحوها من هذا العبء."
        وما يزيد في التلعثم الذاتي للبنانيين أسلوب "الرمزية"[3] الذي تعتمده سوريا في الشأن اللبناني والذي يصفه أحد الصحافيين على الوجه الآتي: " ذلك أن سوريا أظهرت خلال تعاطيها الطويل مع لبنان ميلها إلى عدم طلب ما تريد من اللبنانيين ولا سيّما من قادتهم وزعمائهم وتحديداً من مراجعهم الكبيرة بوضوح وصراحة وتفضيلها ترك هؤلاء يستنتجون من خلال الأحاديث المتبادلة والمناقشات المواقف التي تريحها والتي تستحسن أن يتخذوها حفاظاً على مصالحها ومصالح لبنان في الوقت ذاته."
        يفسر ما سبق غياب قدرة "المحبطين" على اطلاق حوار حر وعلني يبلوّر ما يرفضونه ويرسم آفاقاً للخروج منه، ويفسر أيضاً انتقال الكلام السياسي (بالمعنى الدقيق للعبارة) إلى

سلطة غير سياسية – البطريرك الماروني المسموح له وحده ربط جوانب المسألة الوطنية كافة دون أن يكون لكلامه نتائج أو مفاعيل مباشرة.
***
    السؤال الثاني: هل غابت القدرة على الخروج من الواقع المأزوم، لا بل، كما رأى ذلك فريد الخازن في مقالته، القدرة على التأثير في الأمور؟ إن دخول القوات السورية مناطق المتن، وتفكيك قواعد القوات اللبنانية بعد حل تنظيمها وسجن رئيسها ومحاكمته، افقد المسيحيين بديلا نظرياً أو موهوماً عن لبنان الواحد تُحسن أحياناً الإشارة إليه أو التوعد به. يضاف إلى ذلك أن الهيمنة السورية على لبنان لا تلقى ظاهراً معارضة أطراف أخرى، بل تحظى بموافقة دولية تجعل مجرد التفكير بالخروج عليها من أبواب المستحيل. يرسم طلال الحسيني المشهد السياسي اللبناني على الشكل الآتي آخذا بالاعتبار الأبعاد المتعدّدة: "1. إن الحكم سوري، 2. بأدوات لبنانية، 3. وبتسليم ورضى أميريكيين، 4. مما له علاقة باسهام وتأمين سعوديين، 5. يوازيهما هامش عمل إيراني، 6. ومداخلات فرنسية، مسرحية وواقعية، 7. ومتابعة فاتيكانية بعيدة، أقرب شيء فيها اللاهوت، 8. وهو كذلك، أي حكم سوري، بمعارضة مسيحية، 9. وترصّد إسرائيلي، فيه بعض المواجهة. وهذه حقاً فرجة دولية".[4]
    والقيادات التي يتباكون أحياناً على تغييبها في المنفى أو السجن (ولا ننكر عليهم أبداً هذا الحق!)، هي مصدر للاحباط أكثر منها نافذةٌ على الأمل. تاريخها هو تاريخ الفشل في رسم سياسة واقعية تربط الأهداف الوطنية الممكنة بالوسائل المتاحة. وخير دليل على كلامنا ما وصلت إليه البلاد نتيجة تبّؤ عدد منها المسؤوليات الرسمية. عملت هذه القيادات، وسط ظروف داخلية وخارجية صعبة بلا أدنى ريب، لكن سلوكها العام غالباً ما ساهم في تدهور الأمور وفقدان البلاد وحدتها الوطنية واستقلالها.
    كيف يمكن للقدرة أن تقوم دون هدف معلن أو مبيت، ودون قيادات قادرة على رسم تصور متماسك، ودون تحالفات إقليمية ودولية؟ وكيف يمكن لها أن "تطمئن" (العبارة لشمس الدين) وسط انحسار ديموغرافي غير واضح المعالم قادت إليه الحروب والهجرات والحداثة؟
    ما سبق يقود إلى قلب "مأساة" "الاحباط": سوريا هي الطرف المعتدي على السيادة اللبنانية والطرف المصادر للقرار اللبناني، وهي الطرف الضامن للأمن اللبناني (انتشار الطوائف في المناطق كافة، رغم بعض الثغرات الصغرى والكبرى) وللتوازنات اللبنانية الشكلية المرسومة في اتفاق الطائف (المناصفة في مجلس النواب والوزراء، وفي وظائف تتجاوز غالباً الفئة الأولى...). وأعيان المسيحيين أمام خيارين أحلاهما مرّ: إمّا التخلي عن المطالبة بالسيادة والحفاظ على المواقع في النظام، وإما الإصرار على المطالبة بالسيادة والمجازفة بفقدان مواقع في النظام يُرجّح أن يكون فقداناً نهائياً.[5]

***
    السؤال الثالث: هل ثمة تصور واضح لدى الطرف "المحبط" للأوضاع المتشابكة بين الداخل والخارج، بين الطوائف والوطن؟ خروقات اتفاقية الطائف واضحة للعيان، لكن هل هذه الاتفاقية التي جردت الرئاسة الأولى من قدر كبير من صلاحياتها مقبولة في حدّ ذاتها لدى المسيحيين وتصلح مرجعاً يركن إليه؟ من انتصر في الحروب اللبنانية: هل هم الشيعة التي أصبحت رئاستهم للبرلمان موقعاً محورياً يتحكم بعرض القوانين على الهيئة العامة ويسيطر على مجلس نيابي غير قابل للحلّ؟ أم هم السنّة الذين أصبحت رئاستهم لمجلس الوزراء السلطة الأولى في الدولة؟ هل انتصر فريق داخلي أو إن كل الفرقاء أسرى اللعبة الخارجية؟ هل التدخل السوري في لبنان عرضي أو إنه يؤسس لسيطرة مطلقة ويأنف عن الدعوة إلى الوحدة لأنها ليست في مصلحته بعد؟
    ما أشكال الهيمنة السورية على لبنان بدءاً بالتواجد العسكري والعمل المخابراتي، مروراً بمحتوى قانون الانتخاب، وصولا إلى الاتفاقات الثنائية والتفاصيل الادارية؟
    بعض هذه الأسئلة غير مطروح بجديّة، وبعضها يتلقى أجوبة غامضة ومتعارضة.[6]هذا ويتطلب الوصول إلى رؤية واضحة وجامعة جرأة (مما يعيدنا إلى السؤال الثاني) ونقاشات حرّة وعلنية (مما يحيلنا إلى السؤال الأول). الغموض النظري في أساس "الاحباط"

والجماعات، كما رأى ذلك كارل ماركس، لا تطرح إلا المسائل التي لها القدرة على معالجتها.
***
    تُغني الإجابات الثلاث السابقة عن طرح السؤال الرابع ومحوره الإرادة. فغياب القدرة مضافاً إلى غياب وضوح الرؤية وحيّز الحرية يفسر تلاشي العزيمة، والوهن العام المسمّى احباطاً. ولكن ما يجب ألا يفوتنا هو أن عبارة "الاحباط" سياسية بقدر ما هي وصفية. فالطرف المُحبِط رأى فيها وسيلة من وسائل إغراق "المحبَطين" في احباطهم ودعوة لهم إلى الإرتماء في أحضانه كسبيل وحيد للخروج من الحالة المنكودة هذه. وبعض أعيان المحبَطين رأوا في العبارة وسيلة للاستجداء وبضاعة للتسويق: " نحن مُحبَطون، فما الذي تقدموه لنا للخروج من ليلاءنا إلى ما يفيدكم ويفيدنا؟" هذا وما كاد عنوان العنوان يتغير حتى سارع أولياء أمر إحدى الطوائف إلى تكريس احباط جماعتهم طلباً لثمن سياسي يُقبض للخروج منه.
    ليس السؤال المهم اليوم : هل إنتهى الاحباط؟ فمن الواضح أن معظم اسبابه قائمة، وأن بعضها تفاقم. السؤال اليوم هو: هل يتلاقى اللبنانيون للدفاع عن حيّز من الحرية ينتج عنه تكوين رؤية يعجز عنها كل فريق بمفرده وهل تولد من هذه الرؤية قدرة جماعية قادرة على الاضطلاع بمسؤوليات البلاد؟

10 تشرين الأول 1999            



[1]  في العام 1999، طلب مني الدكتور أحمد بيضون، المسؤول يومها عن مجلة المرقب، إعداد ملف خاص والتقديم له يدور حول الإحباط المسيحي السائد يومها. طلبت من فريد الخازن وجهاد الزين وكمال فغالي ومحمد حسين شمس الدين معالجة المسألة كل من وجهة نظر. لم يصدر العدد يومها بسبب خلافات بين المسؤولين عن الدورية لا علاقة للملف بها.
أنشر اليوم هذه المقالة لما قد يكون فيها من فائدة تاريخية تجاوز الزمن عناصر عديدة منها.
"الإحباط ومسرح العبث" هو العنوان الأصلي للمقالة. 
[2]  يورد محمد حسين شمس الدين مقاطع منها في مقاله.
  [3] سركيس نعوم: "سوريا" "رمزية" فافهموها" ، النهار 19/7/ 1999.
[4]  رأي حر نُشر في جريدة النهار.
[5]  لولا النفوذ السوري لما كان لانتخابات العام 1998 البلدية والاختيارية مثلا أن تجري في ظل التوازن العام التقليدي الذي جرت فيه.
[6]  في المقابل، "معرفة" اللبنانيين " متوافرة عند سوريا وهي التي جعلتها وستجعلها دائما قليلة الثقة بهم كلهم وهي التي دفعتها إلى رعاية قيام توازنات داخلية متناقضة عاجزة لوحدها ومن دون تغيير جوهري وجدّي في مواقف الخارج من لبنان ومن سوريا عن اتخاذ مواقف موحدة من أي موضوع صغيرا كان أم كبيرا" . سركيس نعوم، النهار، 20/5/1998.   

Thursday, 3 May 2018

L’AUDACE ET L’IMAGINATION POUR CHANGER LA VIE: MAI 68




           




          Mai 1968 éclatait-il dans le pays qu’il ne fallait pas ? ou dans le pays qui lui ressemblait ? De Gaulle, vu d’une optique arabe, était le plus digne des dirigeants  occidentaux. Il avait mené à bien la décolonisation, donné son indépendance à l’Algérie, s’opposait aux superpuissances, sortait du carcan pro-israélien, se rapprochait des peuples en lutte… Mais la grande rébellion étudiante qui déferlait, depuis le début de l’année, dans des pays aux régimes aussi différents que la Pologne, la Tchécoslovaquie, l'Allemagne, l'Italie…pour parvenir aux Etats Unis et au Japon, outre la révolution culturelle chinoise lancée par Mao en 1966, ne pouvait laisser la France à l’écart et finit par y trouver son incarnation la plus étendue, la plus radicale et la plus complète ; elle faisait participer lycéens et jeunes des milieux populaires et remettait en question l’ordre social dans son ensemble. Notre adhésion à la déflagration printanière balaya toutes les réserves, d’autant plus que le pays, sa langue et ses institutions  restaient pour nous les mieux connus et les plus suivis, que le mouvement estudiantin, au-delà du régime, visait ce qui soulevait notre hostilité , l’Etat bourgeois, le système capitaliste, l’impérialisme prédominant, et reléguait à la casse les appareils conformistes (parti et syndicat).
          Je n’ai pas eu l’heur de participer aux événements mémorables de Nanterre ou du boulevard Saint Michel et n’ai été à Paris pour études qu’en octobre 1969 alors que bien des choses étaient rentrées dans l’ordre et que les survivances du chambardement s’éparpillaient en luttes disparates. L’unité syncrétique des grandes journées avait éclaté en groupuscules opposés qui tentaient de tirer les leçons de l’échec ; les plus vifs d’entre eux, avec lesquels nous nous trouvions en affinité[1], voulaient se mettre à l’école des masses,  bâtir une nouvelle résistance, donner plein appui à la révolution palestinienne, dénoncer l’impérialisme et le social impérialisme. Les obsèques de Pierre Overney, ouvrier mao assassiné aux portes de Billancourt par un vigile, le 8 mars 1972, suivies par une foule immense faisaient montre des cendres vivantes du mouvement en rassemblant intellectuels et travailleurs et en mettant en relief la rencontre du pouvoir et du parti communiste. Mais le rêve dans sa vigueur avait vécu[2].
---
          Plus que toute rébellion étudiante, unique peut-être en cela, le mai français a amalgamé deux desseins : réformer l’université  et changer le monde. Il dénonçait le principe et les modes de sélection, l’archaïsme de la société professorale, le divorce entre l’enseignement et les débouchés professionnels. Mais il mettait aussi en question la médiocrité de la vie bourgeoise, l’inanité de la société de consommation, les formes abrutissantes du travail technobureaucratique…  Je ne veux pas perdre ma vie à la gagner, affirme un slogan.  Sur les campus, « une osmose se fait entre l’exigence existentielle libertaire des uns et la politisation planétaire des autres » (E. Morin[3]). L’université est, pense-t-on, dans une phraséologie marxiste, le bastion le plus fort et le maillon le plus faible de la société bourgeoise : elle forme ses cadres mais est dominée par un corps non soumis aux contraintes et donc révolutionnaire.
          L’ouverture au monde du travail conduit les étudiants, enrichis d’une large part de la population juvénile[4], à se placer au centre-noyau des problèmes de la société (A. Touraine), à attirer à eux les intellectuels protestataires en les remettant souvent en question (Sartre, Aragon, Foucault…). S’étendant aux ouvriers, elle renouvelle leurs objectifs : ce n’est plus seulement l’augmentation de salaires et les nationalisations, mais aussi l’appropriation des conditions du travail dans l’usine même, l'autogestion des entreprises… Un plan se dessine même pour la société entière : suppression des hiérarchies, élimination de la séparation entre masses et dirigeants, fin de la répartition du travail en manuel et intellectuel. Osons ! L’imagination au pouvoir !
          Un autre aspect des « six glorieuses » de mai, journées ‘euphoriques’, ‘héroïques’, ‘terribles’, riches de discussions est leur coté ludique. Il y eut certes des violences, des barricades, des voitures incendiées, des matraques et des bombes lacrymogènes, des brutalités policières mais « il n’y a pas eu de coups d’arme à feu(…) une explosion de joie, un déferlement de la communication, une fraternisation généralisée » (E. Morin). On dit que l’histoire ne retient pas les leçons, cette fois la patrie de la grande révolution (1789-1799) et de la Commune (1871) se donnait en modèle.
---
             Les idées et pratiques de mai 68 ne sont pas toutes des inventions propres, mais le mouvement a su tirer le meilleur d’un fond français plus ancien, surréalisme, Socialisme ou barbarie[5], situationnisme…comme il a su se mettre à l’heure de protestations venues de tous les coins de la planète contre un style abrutissant d’existence (Beatniks, néo naturisme californien…) La question qui reste posée : Mai 68 fut-il un simple accès de fièvre, un concours de circonstances, une forme nouvelle de la lutte des classes ou des générations, ou enfin une « crise de civilisation » (A. Malraux)? Nous ne dirons pas, pour éluder la réponse, qu’il est trop tôt pour se prononcer, qu’il fut un révélateur des malaises profonds, un accélérateur et un catalyseur de révoltes partielles ; mais nous affirmerons  que partout où se manifesteront la liberté et l’imagination contre l’autorité et les contraintes poussiéreuses, mai 68 sera là. 





[1] En Italie s’étaient développés des mouvements d’extrême gauche que nous suivions beaucoup : Il Manifesto, Lotta continua (en particulier la série « Prenons la ville » publiée in Les Temps modernes).
[2] J’ai résidé à Paris pour la préparation d’un doctorat 3ème cycle à Paris IV de 1969 à 1972.
[3] Cf. la série d’articles d’Edgar Morin dans  Le Monde reproduites in Au rythme du monde, Archipoche, 2014. 
[4] Jacques Berque avait eu à l’époque cette belle formule : la jeunesse n’est pas un âge, c’est une vision du monde.
[5] L’ouvrage de Castoriadis, Lefort et Morin La brèche publié en juin 1968 et republié chez Fayard en 2008 avec un texte additionnel « Vingt ans après » demeure une référence capitale sur les événements de mai.  

Thursday, 5 April 2018

LE VOYAGE D’HIVER DE SCHUBERT EXPLIQUÉ, CONTEXTUALISÉ, RÊVÉ

                                                                            






                                                                Les neiges m’y font perdre mes voies
                                                               Elles sont noires à force de blancheur
                                                                                                   Mutanabbî

Ian Bostridge: Le Voyage d’hiver de Schubert, Anatomie d’une obsession, essai traduit de l’anglais et de l’allemand par Denis-Armand Canal, Actes Sud 2017, 444 pp.


          C’est à un ensemble de promenades dans et autour du Voyage d’hiver  de Schubert que nous convie l’ouvrage de Ian Bostridge. Il le fait non seulement par le commentaire attrayant, bien compartimenté et toujours renouvelé, mais aussi par une illustration de qualité déployant une riche iconographie en amont, en aval et contemporaine de l’œuvre. Outre les textes cités abondamment, nous nous trouvons devant un ensemble de toiles, de gravures, de reproductions scientifiques dont la pertinence est toujours prouvée.  Si l’on ajoute à ce qui précède la possibilité de consulter en permanence You Tube où l’on peut trouver de nombreuses versions du cycle ou des lieder de l’opus 89 (y compris celles de Bostridge), on se convainc des bénéfices de la modernité. 
          Winterreise (Voyage d’hiver) est « une des grandes fêtes du calendrier musical…austère…mais qui garantit de toucher à l’ineffable aussi bien que de remuer le cœur. » C’est un cycle de 24 lieder[1] (près de 70 minutes) pour voix et piano composé par Schubert dans les dernières années de sa courte vie (1797-1828), alors qu’il était miné par la maladie, la syphilis contractée en novembre 1822. L’auteur des textes est le poète Wilhelm Müller[2] (1794-1827), passionné par Lord Byron, créant comme lui un personnage auréolé de mystère :
                       « Etranger je suis arrivé/Etranger je repars »
Nous n’avons presque pas d’informations sur l’origine de sa frustration amoureuse, mais son voyage sonne comme « l’hystérie romantique » tant redoutée par Goethe, une progression vers l’agonie, un désir d’être sur les chemins…Toutefois l’absence de traits particuliers au voyageur et d’une intrigue narrative claire nous rapproche de Tchekhov, Pinter et Beckett…et donne au cycle son originalité et sa force. La question qui demeure posée : s’agit-il du chant d’un héros banal qui reflète n’importe qui  d’entre nous, ou d’un marginal maudit et fou? Mais ce que nous percevons magnifiquement dans ces lieder, dans cette rencontre des accords du piano et du grain de la voix, c’est l’amour, la perte, la souffrance, la solitude,  la quête de l’identité, le sens de la vie et de la mort…
          La première exécution publique par Ian Bostridge du Voyage d’hiver  date de janvier 1985.  Le ténor anglais chante donc le cycle depuis plus de  30 ans. L’interprétant en récital, il affirme chercher continuellement à trouver « de nouvelles façons de le chanter, de le présenter, de le comprendre ». Le présent ouvrage est le fruit de « trois décennies d’obsession » ; il vise à expliquer, contextualiser, rêver. Il rapporte maint souvenir du cheminement, ce qui rend la lecture fluide. Il ne fait pas une analyse systématique de chaque morceau et essaie de contenir les termes spécialisés, en les définissant et sans en abuser : « Je voudrais achever cet excursus plutôt technique… »  Il cherche surtout à trouver des « connexions nouvelles et inattendues ». D’où ces renvois à La Nouvelle Héloïse, aux œuvres de Goethe de Hölderlin et de Heine,  aux références appuyées des contemporains aux anciens Grecs, à la perception des rigueurs hivernales et au concept de période glaciaire initiale apparu au début du XIXe siècle, aux idées d’alors sur les feux follets et les fleurs de givre…




Ian Bostridge chantant le Voyage d'hiver 

          Schubert et Müller ont vécu principalement à une période  réactionnaire connue, en Allemagne comme en Autriche,  sous le nom de « Biedermeier » et allant du soulèvement patriotique de 1814-1815 contre Napoléon aux révolutions nationalistes bourgeoises (ratées) de 1848. Le système Metternich y prévalut surtout à partir « décrets de Karlsbad » (1819) qui restreignirent fortement les activités politiques. Une stricte censure fut introduite sur toutes les publications, y compris pour les œuvres musicales. Sans être des agitateurs politiques, tous les deux étaient des libéraux, après avoir appuyé la cause nationale, et souffrirent de l’autoritarisme régnant. Le Voyage d’hiver  est la métaphore d’une époque où la condition de l’homme est solitaire et aliénée  dans un univers vide et dépourvu de sens. Des lieder comme Rast  (Repos) et Im Dorfe (Au village)   témoignent rageusement  de l’énergie réprimée et de la souffrance de ceux qui n’ont pas osé agir et dénoncent l’égoïsme fondamental du monde bourgeois satisfait de lui-même. « L’un des attraits durables de Winterreise - qui est aussi l’une des clefs de sa profondeur- est sa capacité à quitter l’anxiété existentielle (l’absurdité de l’existence, ce riff beckettien) pour l’engagement politique ou social. »
          La mélancolie et le désespoir ne sont pas les seuls ressorts de l’œuvre comme l’autoriserait une écoute hâtive. On y trouve du comique, de l’ironie, de l’humour à coté de l’indéniable sensualité et de la passion vivace. « Tout est un peu matière à plaisanterie – fût-elle dans le même temps tragique. » C’est ce qui fait « l’étrangeté » des lieder, c’est ce qui les rendit bizarres aux contemporains : les accents à contretemps, l’imprévisibilité rythmique…
          Schubert ne mena pas, comme on le pense souvent, une vie misérable. Il ne bénéficia, il est vrai, ni d’un mécénat aristocratique ni d’une protection religieuse. Sa situation était nouvelle, « moitié génie, moitié mercenaire », « un produit du marché ». Il appartenait comme son contemporain Müller à une génération pour qui la communauté humaine a perdu son soutien spirituel et divin. Une dimension de son génie est dans cette assertion: « Chaque fois que j’essayais de chanter l’amour, cela se transformait en souffrance. Et inversement, lorsque j’essayais de chanter la souffrance, cela devenait de l’amour » ; et sans doute quelques attraits du Voyage d’hiver.   




[1] Certains de ces lieder sont célèbres en eux-mêmes : Der Lindebaum (le Tilleul), Der Leiermann (Le Joueur de vielle)…
[2] Sur des poèmes de Müller, Schubert avait composé les lieder de La belle meunière (1823). 

Thursday, 1 March 2018

MELHEM CHAOUL ET L'HYBRIDE SOCIÉTÉ LIBANAISE


















Melhem Chaoul: At-Tafakuk wal ’Intiwâ’ (Désagrégation et replis, Le Liban et son cadre régional à l’orée du millénaire), L’Orient des livres, 2018.


A la veille de législatives imminentes (6/5/2018), la lecture ou relecture des études de Melhem Chaoul sur les précédentes élections, réunies à présent en volume, vient à point pour jeter des lumières sur la question et pour examiner la validité des analyses. Le propos de l’ouvrage est bien plus vaste puisqu’il commence par intégrer le Liban dans le cadre régional de deux décennies tumultueuses (1990- 2010), étudie ensuite la société libanaise dans sa globalité. Sa troisième partie, de loin la plus longue, trouve dans les élections successives (1992, 2000, 2009) le lieu privilégié de la mise à l’épreuve des conclusions formulées. Un précédent livre Al ’Iftirâq wal Jam‘ (Dispersion et assemblage) (Dar An-Nahar, 1996) groupait des études écrites et publiées entre 1984 et 1990. La visée se prolonge : saisir les constantes et les variantes libanaises. Le rythme soutenu des péripéties auxquelles nous assistons convie à en faire un chantier d’études permanent. Melhem Chaoul justifie ainsi sa publication : «Sans doute le lecteur trouvera ici des textes d’un « temps révolu » qui étudient des faits et événements qui semblent dépassés. Mais il m’a en fait paru que la plupart des sujets traités sont actuels comme s’ils avaient dépassé leur temps et que la société libanaise se trouve encore confrontée aux mêmes questions et aux mêmes problématiques. Pour cette raison, je note que le tempo du progrès et de l’évolution au Liban est lent et que le contenu de l’ouvrage n’a pas perdu de  son acuité. »
 La guerre irako-iranienne a entamé dès le début des années 1980 un  processus de désintégration des Proche et Moyen Orients. A peine terminée (1988), la première guerre du Golfe (1990-1991) prend le relais et une nouvelle alliance, arabe et internationale, se forme sous l’égide des Etats-Unis pour libérer le Koweït. Depuis, les initiatives guerrières se suivent alors que des élections décisives ont lieu en Israël, en Cisjordanie et à Gaza, en Iran… et que la question palestinienne demeure irrésolue et assiste à sa rétrogradation malgré les prétendues médiations américaines. Les tensions, luttes et épreuves de force prennent le dessus dans toute la région et ne se contentent pas de servir d’arrière plan.    
Dans cet environnement  instable,  l’auteur cherche à dresser l’inventaire de la société libanaise après l’accord de Taëf (1989). Suite aux conflits armés internes et aux nouvelles données démographiques et économico-politiques, le rapport de forces s’est inversé dans le pays comme dans la région, ce qui a abouti à « fissurer et désagréger le tissu social libanais ». Sur le plan démographique, la décroissance chrétienne fait face à une poussée musulmane. Au niveau économique, on voit se manifester, dans la trainée de la mondialisation, un nouveau type de capitalisme libéral dont le pouvoir  financier surpasse grandement toute accumulation interne de capital. Au niveau du pouvoir, on passe d’une domination politique à hégémonie chrétienne à une autre à hégémonie musulmane. Tout ceci en l’absence de construction d’un Etat intégrateur et organisateur cherchant à appliquer la Constitution, à soumettre aux lois les nouvelles conduites économiques et financières, à assurer la protection des citoyens et des catégories sociales lésées, mais à l’ombre d’une tutelle syrienne omniprésente, militaire et politique. Le retrait de 2005 n’aidera pas beaucoup à la paix et à l’édification de la démocratie vu les permanences et mutations du contexte.
L’effet conjugué de ces prémisses est la désintégration profonde des structures sociales et le chambardement de l’échelle des valeurs qui soutient les relations intercommunautaires. D’où le malaise dans les rangs chrétiens et un repli sur soi, ce qu’on a nommé l’’Ihbâtt, état d’abattement ou de déprime qui conduit à désespérer de la chose publique ; état que connaîtront mutatis mutandis d’autres communautés en des circonstances ultérieures.    
Il ne saurait être question ici ni de reprendre les divers signes produits, souvent pertinents, dans les articles et interventions rassemblés, ni de les discuter. Signalons cependant deux traits liés de l’entreprise de Chaoul. D’une part, construire, dans la lignée des pères fondateurs de la sociologie, un regard spéculatif propre, au-delà du journalisme quotidien et de l’engagement politique. Cette visée cherche l’objectivité et ne renonce pas aux valeurs modernes ; elle opère à l’intérieur de découpages historiques indispensables, ce qui lui évite de se diluer dans un espace anthropologique pur. D’autre part, saisir la « structure hybride » persistante de notre société, faite de progrès et de tradition, d’ouverture et de cloisonnement, et qui n’est pas appelée par une évolution nécessaire à perdre l’ancien pour l’occidental, mais à les combiner selon des formules différentes, à des niveaux différents et avec des résultats différents selon les obstacles. La violence,  l’autoritarisme… ont les effets pervers que nous ne cessons de dénoncer.
L’étude des  élections en tant que phénomène social total demeure un lieu d’approche privilégié de cette réalité. Bien que le Liban ait, dans la région arabe, une forme de démocratie ancienne et persévérante, souvent exposée à la réévaluation et à la critique,  ses législatives revêtent tous les traits de la désintégration ambiante. Nous observons là la société « hybride »  dans ses traits les plus saillants. Au niveau des candidats, les chefferies traditionnelles composent avec les communautés et partis ; à celui des électeurs,  le clientélisme et l’appui aveugle rejoignent des choix libres et raisonnés ; l’Etat, arbitre et organisateur, ne se prive pas d’intervenir à tous les niveaux de la législation aux pratiques iniques… Nous sommes donc face à une « démocratie indécise », incertaine, oscillante, perplexe entre ce qu’elle vise à être et ce qu’elle est.
La démarche de Chaoul semble parfois propre et distante, insuffisamment critique aux jougs d’appareils sociaux tenaces. Elle n’en demeure pas moins globale et équitable, essayant de reconnaître les acquis réels, d’en dénoncer les failles et de repérer la bonne direction.      










Monday, 12 February 2018

طيوب الشعر و شعرُ الطيوب






الساحة المجاورة لحديقة الشعراء في زحلة 
 

صدر للشاعر المرحوم جوزف سعيد جحا ديوانه الخامس دِيَم (2018) وهذه مقدمتي له: 


يؤكد غوته، وهو الشاعر الأديب المنظّر الملمّ بمسائل الفنّ، الذي قلّما يطلق الكلام على عواهنه، أن شعر المناسبات أعلى أشكال الشعر؛ فالشعر لا يكتفي،على غرارالموسيقى، بمواكبة مناسبات الحياة، من أعراس وأعياد ومآتم، بصورة علنية وغالبا إلزامية، ولا يزيّن فقط الأحداث العامة والخاصة زينة جمالية، بل يرتفع بها، فهو يعطيها معناها الكليّ والكوني، ويدخلها إلى الذاكرة الجماعية لتبقى فيهاوتنشئ الأجيال.
فالحياة الاجتماعية، العادية،العفوية، ملأى بالمناسبات وهي تعيش على وقعها. وإن الشاعرَ الصامتَ المنصرف إلى متطلبات العيش، الواقع تحت وطأتها، يرى في هذه المناسبات فرصة سانحة للخروج من سيرته اليومية الرتيبة،لاستخدام مهاراته اللغوية والنظمية الساكنة، للتلاقي مع قيم الجماعة ولاوعيها[1]، لتحرير ذاته العميقة والتعبير عنها، وهجر المصير المحتوم ونشدان الأبدية، لإعطاء الحدث كامل معناه والتواصل مع الأهل والأصدقاء في نشوة ربيعية، تستسلم لهوى الشعر وسحره وفرحه.

***

شكّل جوزف جحا(1914-1997) جزءا من طفولتي وصباي، فقد كنتُ والرفاق نلتقي بطلعته البهية وأناقته وجدّيته الدائمتين في طرق السراي القديم[2]، ومكتبه المجاور لها، في أعالي حيّنا المشترك مار الياس المعروف أصلا بالضيعة. أزوره عندما أرافق -إلى السراي الحالي -الوالدَ المحامي جوزف ساسين، وهما متجددا الصداقة في مسيرة العمر، وغالبا ما تخرج الأحاديث في الغرفة الضيّقة المتقشفة، بين الدواوين الرسمية، عن مواضيع الحقوق والواجبات. أسمع دائما عن مناقبيته الكبرى في كتابة العدل والتزامه الأسطوري بالقوانين، وكأنه جسّد لأجيال عديدة من البقاعيين كاتب العدل بهندامه ورصانته وحرصه على مصالح المواطنين والدولة، فهم لسنوات لم يعرفوا غيره وهم كلهم عرفوه. وتشاء مقاعد الدراسة وصفوف البكالوريا في معهد مار يوسف عينطورا أن أصبح صديق ابنه سعيد، فتعلّم واحدنا من الآخر الوفاء، ولذة المعشر، وروح المجازفة، وأساليب الممازحة والمنادمة. وكان جوزف جحا، كاتب العدل الصارم، معروفاً بشغفه بعائلته وبفخره بأولاده، فازداد القربُ منه دون أن تنقشع الهالة.

***
ولطالما ظننتُ أن شاعرنا، لشدّة مشاغله  "النثرية"، يرعى فقط المناسبات بالشعر، بشعر يحمّله عواطفه، فقلّما تبقى مناسبةٌ عائلية إلا وينظم فيها أبياتا بخفر وأناقة، يرفعانها إلى الاعلى. ولا تبقى مناسبة زحلية أو وطنية إلا ويسكب فيها لمدينته ووطنه كؤوس التحية والحرص والفخر والوداد. وهو اشتهر بدايةً بنشيده للكلية الشرقية فقد كان خير ملتقطٍ فيه لروحها ولأجوائها[3] يبثّها للأجيال:

        طاب منها العبقُ  والهدى المندفقُ

وهو كان الوفي في الصداقات، وعلى الأخص صداقة الشعراء: سعيد عقل وأنيس الخوري غانم وخليل فرحات، وقد شكّل مع الأخيرين ثالوثاً، يفاضل بين حبه لهما معيّنا لكل منهما المكانة السامية:
قُل لل"أنيسِ" إذاأتيتَ رحابه أنتَ الأحبّ من الرفاق الأفضلُ

و"خليلٌ" في خبزي وملحي وفي  شعرٍ على شفةِ الخلود يُعَندلُ

    لكن ما أن تقاعد جوزف جحا من كتابة العدل في العام 1979 حتى أعطى ما لشعره عليه من حق، فنشر تباعاً ديوانه "ربيع" (1980) ثم عشية وفاته "حبيبتي ولبنان" (1996) الذي صدّره سعيدعقل بمقدمة رائعة أقامت له المقام الصعب في "خط" كبار شعراء جيله اللبناني: صلاح لبكي وأمين نخلة ويوسف غصوب وبولس سلامة... وأكمل ابنه سعيد، بعده الرسالة فنشر دواوينه كما خطط لها هو: "حواء القصيدة" (2012 )، المطوّلة البالغة الطموح، و" ثلاثيات" (2016 )، المنظوم على نمط يحقّق المعنى، والديوان الحالي. فشكراً لسعيد،الوفيّ لوالده، الأمين على إرثه وتراثه. شكراً له من ألف باب وباب[4].  

*** 
    المرء عاشقٌ للجمال، فكيف الشاعر؟  ومَن غير المرأةِ سبيلٌ إليه بل تَجَسّده الأول؟ لذا لا عجب أن تكون معظم قصائد جوزف جحا غزلية رقيقة ناعمة، فيها الحواسُ كافة، لكن لحاسة الشمّ الدورَ المحوري فيها:

  وإنكَ فوحةٌ مرّت بداري  فأبقَت في معابرها الطيوبا
و: 
  ضاعت مسكةُ الأطياب منه   فأين شذا المداهن من شذاه
  أنوفٌ خلقُه كالوردِ طهراً  سخيٌ كالبنفسجِ في عطاه

يتساءل القارئ: لماذا للطيب هذا الوقع البديع؟ يمكن له أن يجيبَ بالتأكيدِ على فرادة كل مبدعٍ. ما أحدسه شخصيا هو أن في الطيب توازنا بين الجمال والخير، بين "ملاك" التقاليد و"شيطان" الشعر، بين جوزف جحا الأمين على العدل والعائلة وجوزف جحا الشاعر: 
     هناك من مجامرها   يفوحُ الطيبُ والصندلُ

وإن كان الشعرُ طيباً للحياة، فإن الحياةَ طيبٌ للشعر.     
    


في 5/8/2017



[1]  هذا ما يؤكده أوتو رانك (1884-1939) محلّل نفسي من أتباع فرويد.
[2]  دار البلدية حاليا.
[3]  وفي هذا الديوان " نشيد زحلة" و "نشيد قوى الأمن الداخلي( " أرض لبنان سمانا...) " ونشيد نادي "الليونز" ...
[4]  يقول جوزف جحا في "قربانة أولى" المهداة إلى حفيده جوزف سعيد جحا:
       كُن مثلَ والدك الخلوقَ بنهجه   للخيرِ ينحو للمكارمِ ينهدُ