Friday, 14 February 2014

لقاء مع ميشال سيرّ2000




عندما تذهب إلى ميشال سيرّMichel Serres [1]  لمقابلته نزولاً عند طلب أصدقاء لك في الملحق (النهار)، تعوزك الثقة بالنفس. أنتَ لم تقرأ كل ما كتبه هذا المفكر الغزير خلال ما يزيد على الثلاثين عاماً، ولستَ ملماً بمحطات رحلته، ولا، أصلاً، بالميادين التي تناولها كلها. أدباؤه وفنانوه غير أدبائك وفنانيك. قرأتَ له في مراحل عدة، فأعجبتَ بقدرته على استخراج "رسالة فلسفية في العزلة وغياب الاتصال" من إحدى مغامرات تان تان المصورة (1970، ثم شاهدتَ توسيع حلقة رصده وبروز جمالية أسلوبه، وأخيراً أعجبتَ بتأكيده على أهمية "الثورة الكبلرية" (المثقف الثالث" (1991) التي جعلت حركة الأرض تدور حول شمسين إحداهما سوداء لا تقلّ عن الأخرى المضيئة دوراً، واعتباره إياها نموذجاً للمعرفة والثقافة. رغم ما سبق – وهو شتات – تبقى صورة ميشال سيرّ غير واضحة تماماً في ذهنك، لأن اللاعب ما زال غير محدد الموقع على الخارطة الثقافية الفرنسية – في مكان ما بين الهامش والمركز.
لكن ضيافة المفكر لك تريحك إلى أبعد الحدود، ففي الشخص من اللطف والكرم والتواضع ما يجعل منك أليفه بسرعة كبيرة. يضع نفسه في خدمة مهمتك، ويصحح لك بخفر كبير، ويعتذر اليك إذا أسأت فهمه. ولو كان عليك أن تلخص شخصه بعبارات ثلاث لقلت: حدة النظر والحرية والفرح. يفيض في الاتجاهات الثلاثة. سعيد وآسف معاً لأن واحداً من كتبه فقط مترجم إلى العربية [أصول الهندسة (1993) عرِّب في المغرب] ومسرور إلى أبعد الحدود لأن محطته الأدبية الوحيدة (قصص من العالم (1997) تحيط بأبعاد المعمورة كافة (النهر، الجبل، الغابة، الصحراء، الحيوانات...) وتخفي في طياتها "رسالة في الأخلاق".
إلى ما يعود المزيج "السيرّي" الساحر؟ لا ريب أن فيه ما يصدر عن حرب المفكر على "الثنائيات الجافة" (الشكل والمضمون، النظام والفوضى، الخرافة والعقل...) واعتماد أحد أركانها دون الآخر؛ وفيه ما يخرج من الدعوة إلى انفتاح الميادين على بعضها البعض لإتاحة الفرص للابتكار وللاختراع؛ وفيه أخيراً ما يأتي من فتنة اللغة الفرنسية التي تفسح لعدد كبير من الأفراد والزمر مجالاً للتحادث والتبادل.
* * *

- كتبتَ فترة طويلة في رعاية الإله الإغريقي هرمس واضعاً خمسة من كتبك (الاتصال؛ التداخل؛ الترجمة؛ التوزيع؛ الممر الشمالي الغربي) تحت لوائه. ما رابطُ المؤلفات هذه؟
- عندما انطلق تفكيري في الستينات، رأيت أن حضارتنا تتجه نحو الاتصال Communication كوجه مميز لها، هذا بينما كان جوهر حضارة القرن التاسع عشر الانتاج، وإلهها بلا منازع برومثيوس، سارق النار ومهديه للانسان. وهرمس هذا هو إله التجارة والرحلات والترجمة والتبادل والتراسل. ولا أستطيع القول أن رهاني هذا قد أخطأ، فالاتصال أصبح، بأوجهه كافة وآخرها الانترنت، السمة المميزة لمفترق القرنين وذلك باقرار الجميع.
لكن اختياري لهرمس لم يكن اختياراً موفقاً توفيقاً كلياً، إذ أن هرمس هذا إله واحد فيما باتت الحاجة لآلهة عدة. من هنا تحولي إلى وفود الملائكة، وهم جمهرة من الرسل. ألفّت كتاباً في الموضوع اسميته أسطورة الملائكة، وهو كتاب صدرت طبعته الأولى مزيّنة بالصور. عدد الملائكة كبير جداً في الأديان التوحيدية. والظاهر أن المسيحيين لا يحبونها بقدر ما يحبّها اليهود والمسلمون. ففي المسيحية غادرت الملائكة وتركت الرسالة كاملة ليسوع المسيح، ابن الله. لكن المفارقة الكبرى هي أن المسيحية، التي لا تولي الملائكة أهمية كبيرة، هي الوحيدة التي تصورها، بينما اليهودية والإسلام الذين يوليانها شأناً عظيماً لا يرسمانها. يشكل علم الملائكة Angelogie الخلفية الفكرية والعملية لدراسة الاتصال والإلمام به.
إن عالم الاتصال عالم متحقق، وهو عالم قابل للإدراك إدراكاً نظرياً، وهذا ما حاولت فعله.
أما فلسفتي العامة، فهي تحاول أن تأخذ بعين الاعتبار التحولات الكبيرة التي حصلت في عصرنا، وهي ما لا يوليه معظم الفلاسفة أهمية كبيرة. ثمة ثورات أربع تمّت في العقود الأخيرة ولم تجد بعد ترجمة لها في الميدان الفلسفي:
1- تغيّر العلاقة بالآخر أو ثورة الإعلام. إن وسائل الاتصال من التلفون إلى الإنترنت مروراً بالاذاعات والتلفزيونات تبدلت وتنوعت وغيرت جذرياً علاقة البشر بعضهم ببعض. وفلسفة العلامةsigne  ليست كافية في هذا المضمار. فأي فيلسوف معاصر أخذ بعين الاعتبار هذه الثورة؟
2- تغيّر العلاقة بالعالم أو تحولات الزراعة. في بداية القرن العشرين، كان ثمانون بالمائة من سكان البلدان الشبيهة ببلداننا [فرنسا، لبنان (؟)...] يعيشون من الزراعة ويعملون في الأرض. أما اليوم، فهذه النسبة تتراوح بين 4 و15% حسب الديار. ألم تتغير نتيجة ذلك علاقتنا بالعالم؟
3- تغيّر العلاقة بالذات. للمرة الأولى في التاريخ البشري أصبح بمتناول الانسانية، انطلاقاً من الحرب العالمية الثانية، طب يشفي. كما أن ظروف العمل تغيّرت ولم تعد الآلام والأوجاع والأمراض جزء لا يتجزأ من عملية الانتاج في المصانع والمناجم... الا ينجم عن ذلك نظرة جديدة إلى الجسد؟
4- تطور تقنيات الحياة Biotechnologies وإيجاد أنواع نباتية جديدة...

- لكن الأمر محفوف بالمخاطر، ومظاهرات مدينة سياتل أظهرت وقوف قسم كبير من الناس ضد التدخل في الأنواع الحية لأسباب محض تجارية.
-  أنا لا أبسّط الأمور ولا أقول إن كل شيء سيكون على ما يرام بدون تعرجات. الحذر والنقد مطلوبان. لكنني أضرب مثلاً: تمّ تطوير نوع من الأرز غني بالفيتامين A وبالحديد. والنقص في الحديد والفيتامين A هو وراء فقدان 400 مليون من مستهلكي الأرز بصرهم. فهل هذا التطوير مهم أم غير مهم؟
تقع على الفلسفة مهمة أخذ هذه التحولات بعين الاعتبار، كما تقع أيضاً على السياسة والاخلاق. وعلى الفلسفة أيضاً استباق الأمور إذ أن من مهماتنا نحن بناء البيت الذي سيسكنه أبناؤنا. من هنا دور المعرفة المقارنة للميادين المختلفة في التأسيس للابتكارات والاختراعات في كل المجالات.
والمفارقة اليوم أن العلماء ملمون [في ميادينهم الخاصة] من دون ثقافة [عامة]. بينما الفلاسفة والأدباء مثقفون من غير إلمام [خاص] وغرباء عن العالم الذي يعيشون فيه. فلاسفة اليوم غير مؤهلين للمحادثة، للأخذ والعطاء، للتبادل والحوار، وهم أعداء ما لا يستطيعون فهمه. ولا يمكن بأي شكل تنشئة فلاسفة بدون إدراك طبيعة العالم.

- هل يمكن العودة إلى مسيرتك الفكرية والتوقف عند أهم مراحلها؟
- قام تفكيري منذ البداية على المبدأ الآتي: لا وجود للفلسفة في غياب موسوعة ترتكز عليها. تبنى الفلسفة على إلمام كلي بالمعارف، على استكشاف واسع لميادين الحياة، على رحلة شاملة في العلوم والتاريخ. فليبنتز الذي انطلقت منه (1968) جمع علوم الرياضيات كافة وأطلّ على العلوم الأخرى. وكبار الفلاسفة كلهم، من أفلاطون إلى أرسطو إلى كنط (كتابات ما قبل النقد) إلى كومت وبرغسون... كان لهم إلمام واسع ودقيق بعلوم عصرهم. لذا حاولت أن ألمّ بالميادين كلها رغم ما يحمله المشروع من استحالة في زمننا هذا.
رحلتي كانت من الرياضيات إلى الفيزياء إلى البيولوجيا. وبهذا الانتقال وبهذا الاهتمام الدقيق خالفتُ الفلاسفة المعاصرين الكثير الذين أداروا ظهرهم للعالم ومتغيراته، وخالفت أيضاً الفلاسفة التحليليين [الانكلوساكسونيين] الذين حصروا الفلسفة في ميدان واحد وركّزوا التركيز كله على المنطق وحدوده مما أدخلنا في قرون وسطى جديدة. فلو كان عليّ أن أحصر اهتمامي بميدان واحد، لفضلتُ أن أكون عالماً.

- لكنك، في الفيزياء، على سبيل المثال، بقيت عند علماء القرن التاسع عشر ولم تتحدث عن اكتشافات القرن العشرين (اينشتاين، بلانك، هايزنبرغ...)؟
- يعود ذلك إلى أن نظرية الديناميكا الحرارية وقوانينها تصلح نموذجاً لنظرية الإعلام Théorie de l'information.

- رحلتكَ هذا لم تعرِّج على العلوم الانسانية أو لم تبلغها؟
- كانت هذه "العلوم" في قلب اهتمامات معظم المفكرين المعاصرين، وما أحببت يوماً الآراء المهيمنة، أو أي شكل من أشكال الهيمنة.

- هل يمكن اعتبار الترحال هذا (من الرياضيات إلى البيولوجيا) انتقالاً من المجرد إلى الملموس؟
- أوليس في ذلك سنّة العمر!

- ما الذي يعطي لمسارك الفكري وحدته؟
- كان الغموض والالتواء في التعبير سيدا الأسلوب الكتابي في فرنسا الستينات. أنا نفسي سرتُ فترةً طويلة على هذا الدرب. لكنني، بعد ذلك، تحولت إلى الوضوح الذي يشكِّل، مع الأناقة، مثاليّ اللغة الفرنسية. فمن مونتين إلى باسكال إلى ليبنتز، التعبير عن الأفكار واضح وأنيق وأنا أحاول جاهداً الانخراط في هذا التراث.

- هل تعتبر ليبنتز كاتباً فرنسياً كبيراً؟
- ليبنتز الألماني يكتب الفرنسية بشكل أفضل من ديكارت. إفرنسية ديكارت ترجمة عن اللاتينية. وعلينا هنا التمييز بين البسيط والسهل. فمعادلة رياضية تفاضلية بسيطة لكنها صعبة الادراك. أما اللغة اليومية فهي سهلة لكنها غير بسيطة. عبارة "أحبك"، على سبيل المثال، مفهومة، لكن ادراك معانيها كافة ليس أبداً بأمر بسيط.

- نصّبت نفسك مدافعاً عن الفلسفة الفرنسية...
- أنا لا أدافع عن الفلسفة الفرنسية، أنا ضدّ كل أشكال الشوفينية والتعصب القومي. أنا مع الفلسفة المكتوبة بلغة فرنسية وهذه الفلسفة ليست أبداً حكراً على الفرنسيين من لايبنتز إلى الكنديين إلى اللبنانيين...

- ما ميزات الفلسفة المكتوبة باللغة الفرنسية؟
- إلى السمتين السابقتين اللتين تحدثنا عنهما (الوضوح والأناقة في التعبير)، يمكن اضافة عدد من الميزات أبرزها غياب المصطلح التقني والإلمام الدقيق بعلوم العصر... هل يخطر في بالك مثلاً أن جان جاك روسو صاحب كتاب في الكيمياء Les institutions chimiques أعدنا نشره بينما هو غير مدرج في المؤلفات الكاملة المنشورة في مجموعة لابلياد؟
هذا وكان للفلسفة المكتوبة باللغة الفرنسية تأثير كبير: هيغل قرأ لابلاس ونيتشه قرأ ميشليه... وأسوأ ما يحصل اليوم أن عدداً كبيراً من هؤلاء الفلاسفة مثل مونتين ودايدارو وروسو... أُخرِج، في البرامج التعليمية، من الفلسفة ليدرّس فقط في الميدان الأدبي.

- برّر كلود ليفي ستروس دخوله إلى الأكاديمية الفرنسية بالقول "نحترم عادات الشعوب كلها، فلما لا نحترم شعائر مجتمعنا؟"، هل لدخولك هذا النادي المقفل أسباب شبيهة؟
- لا، أبداً. دخلت الأكاديمية الفرنسية لأسباب محض نفعية: الحصول على مساعدة لإتمام نشر المجموعة الكاملة للمؤلفات الفلسفية الصادرة باللغة الفرنسية.
أصدرنا حتى اليوم 135 مجلداً من أصل 180 منوي اصدارها. وكان مبدأونا نشر المؤلفات غير المتوفرة في سوق الكتب. نحن مثلاً لم نُعِد نشر ديكارت ومين دي بيران وبرغسون، لأن مؤلفاتهم متوفرة في المكتبات. ومشروع النشر هذا مستمر.

- أي من مؤلفاتك هو المفضل اليك؟
- تماثيل (1987) رغم خروجي منه مرهقاً ارهاقاً كاملاً. حاولت في هذا الكتاب رسم انتروبولوجيا فلسفية للموضوع (L'objet) انطلاقاً من الموت. فما جعل الانسان انساناً أمران: إدراكه للموت وإدراكه لوجود عالم موضوعي مستقل عن رغباته ونوازعه (وذلك بخلاف الحيوان غير المدرك إلاّ لمواضيع رغباته). والنحت هو الموت والموضوع وقد اجتمعا.
الفلاسفة (باستثناء هيغل) جانبوا الكلام على النحت.
- أي من كتبك يشكّل المدخل الأفضل إلى عالمك؟
- الحواس الخمس (1986).

- هل نجد فيه عصارة فكرك؟
- لا، لكنه الكتاب الذي يُدخَلُ اليه بأكبر قدر من المتعة. يثور الكتاب على ثقافة تقوم على استبعاد الحوار أو، ما يساوي ذلك، على الحصرية المعطاة لحاسة النظر بعد رفعها إلى مصاف دليل نظري [اللغة العربية تؤيد في هذا المضمار ما يقصده فيلسوفنا]. الحواس الأخرى مثل اللمس والسمع والذوق لا تحيا إلاّ بالتماذج واللقاءات والصدف، وفيها يتمازج الموضعي والشامل، الضروري والحادث، العبارة والمحسوس.
والموسيقى حاضرة في كل مؤلفاتي بأشكال مختلفة.

- ترسم مؤلفاتك شبكة من العلاقات مع عدد من الأدباء والمفكرين والفنانين قلّما أولاهم الفلاسفة الاهتمام. كتاب عن إميل زولا (1975) وآخر عن جول فيرن (1974) وآخر عن الفيلسوف والشاعر اللاتيني لوكرس (1977) وآخر عن الرسّام البندقاني كارباتشيو (1975)...
- اهتمامي بزولا وفيرن ناجم عن موقع العلم في مؤلفاتهما. حاول كل منهما، من زاوية خاصة به، وفي إطار الفعل الأدبي، رصد تأثير العلم على المجتمع وموقعه فيه. هذا وبلغ كل منهما مرامه.
ما أثار اهتمامي بلو كرس هو قدرته على الاطلال على العلم المعاصر انطلاقاً من معطيات عصره المعرفية المتخلفة. يُطلق لو كرس الآراء جزافاً، وفي كل مرة يصيب الحقيقة (بخلاف ديكارت الذي يخطىء في كل مرة لا تساعده في ذلك علومُ عصره، وبخلاف هيغل الذي يجانب الحقيقة في الموقع نفسه). نظرية "الانحراف" (كلينامن) أي خروج الجوهر الفرد عن مساره وعن التناسق هي من أكبر الاكتشافات في عالم الفيزياء.
اكتشفتُ كارباتشيو في كنيسة السكيافوني في البندقية عبر لوحتين:
"القديس جاورجيوس" و"القديس اغسطينس". كنتُ أذهب يومياً إلى الكنيسة لمشاهدة اللوحتين مما جعل حارسها يظن أنني متعبد للقديسين فأطلق على اسم "Il signor devotione". وأكثر ما يداعب أناي الرواج الذي عرفه هذا الرسّام بعد كتابي عنه، فأفردت له صالات خاصة في متحف الأكاديمية، وازداد كثيراً عدد زوار السكيافوني... أريد هنا أن أذكر شيئاً: لما صورنا فيلماً عن كارباتشيو – نتيجة رواج الرسّام والكتاب عنه – سلّطنا الأضواء على اللوحات العالية، فإذاها بغير الألوان التي رأيتها فيها ووصفتها بها.

- في كتابك "العقد الطبيعي" (1990)، ورد ما يأتي: "ملتئمةٌ أو قابلةٌ للالتئام، المحكمةُ حاضرةٌ باستمرار... أو لا يمكن للحقيقة الاستغناء عن الحكم؟" هل ترى في التخلص من الحكم أفق الفلسفة؟
- المشكلة هي أنه لا نستطيع بلوغ الحقيقة بدون الحكم. الأطروحة الجامعية تُسند أمام لجنة تحكيم تقبلها أو ترفضها. ولا وجود للحقيقة خارج محكمة تفصل في صحتها أو عدم صحتها. الحقيقة بحاجة إلى وفاق عام حولها، إلى نقد لركائزها يؤدي في النهاية إلى تثبيتها. أطلق على هذا الموقف اسم "المثالية الجماعية" لأنه يجعل من العالم امتثال انساني عام.
لكنني أجد في ذاتي مقاومة لما سبق وتأكيداً على عدم صحته. فالموضوع (أو الشيء الخارجي) هو الحَكَم الفعلي وهو المحكمة الوحيدة. الشيء هو السور الوحيد الذي يحرسنا من الجنون. الأشياء حكمت بفساد نظرية ليسنكو ومدرسة ميتشورين لا العلماء الآخرين. الموضوع وحده المنقذ. في هذه المسألة، اختلف عن دولوز، وهو أقرب المعاصرين إليّ، فنظرته حلولية كلياً. إسبينوزا نفسه، الذي يعود إليه دولوز باستمرار، يقول: "الطبيعة أي اللّه" وهو بذلك يشير إلى تعالي الشيء. لم يقل "الطبيعة" مكتفياً بذلك، بل أضاف "أي اللّه" للإشارة إلى التعالي.

- تبشّر كثيراً بالاختلاط Métissage. أي اختلاط تأمله في لبنان والبلاد العربية؟
على الصعيد الديني، المسيحية تكوين هجين يجمع ما بين السمات السامية والسمات الهندوأوروبية. على الصعيد العلمي، يشكّل اجتماع الهندسة اليونانية مع الحساب الرمزي [الخوارزمي] العربي تلاقي ضفتي المتوسط وارساء لأسس تطور العلوم الحالي والمستقبلي. على الصعيد الاجتماعي، يشكّل الزواج "المدني" امكانية لقاء خارج الدين وخارج العلم.
ولا بد من الاشارة إلى أن الثقافات كلها هجينة. الثقافة الفرنسية في أوجها، أي في القرن السابع عشر، ثقافة مختلطة: كورناي اسباني الهوى (السيد)، راسين شديد التأثر باليونان، موليير خارج من الكوميديا الايطالية، الملحن لوليLulli  ابن فلورنسا... السيطرة من سمات عالم الحيوان ورفضها هو ما يكوّن الإنسان.

- ما هي مساهمتك الأهم في فكر القرن العشرين؟
- إن حظّ فكري في تجاوز العصور ليس بكبير، لذا أفضل أن أترك السؤال بدون جواب.

أوتيل الكسندر، بيروت، في29/3/2000
ملحق النهار، 14ِِ/4/2000

[1]  ضيف لبنان لمناسبة اليوبيل الـ125 لجامعة القديس يوسف

Thursday, 13 February 2014

ماركس ما بعد الماركسية*

إنهارت عقيدتنا الماركسية قبل انهيار الإتحاد السوفياتي وملحقاته من الأنظمة والأحزاب. وقبل الإنهيارين، أي في أوج إلتزامنا الماركسي، فقدت دولة لينين وستالين وخلفائهما هالتها وقدسيتها في قلب إيماننا، وأصبحت عرضة دائمة للتشكيك والانتقاد في المجمل والتفاصيل. رغم نسق التوالي هذا، شكّل سقوط "دولة العمال" الأولى في التاريخ، بهذه الطريقة المفاجئة، حَدَثاً صاعقاً يكاد يناهز في أهميته قنابل القرن العشرين الثلاث (الذرية والمعلوماتية والديموغرافية) التي تحدّث عنها إينشتاين.
رحلت "الشيوعية" عن "وطنها" الأول بعد ما يزيد عن السبعين عاماً على حلولها فيه، دون ثورة ولا حرب، آخذة معها نزوع الماركسيين الدائم إلى انقاذها عبر الترحال في الميادين كافة. الترحال في الأقاليم بحثاً عن البلاد التي تحمل المشعل بعد سقوطه من يد غيرها: روسيا بعد فشل الثورة في البلدان الرأسمالية، الصين بعد التحريفية السوفياتية، يوغوسلافيا التسيير الذاتي، كوبا الصمود، فيتنام المقاومة، ظُفار العروبة... الترحال في الأسماء بحثاً عن القائد المعصوم: لينين، ستالين، تروتسكي، ماوتسي تونغ، كاسترو، جيفارا، هو شي منه، برلنغر... الترحال في الكتابات بحثاً عن النص الشافي والخالص من كل شائبة: فكتابات لينين الأولى لم تكن بعد جدلية، وكتاباته اللاحقة شديدة التأثر "بالمرتدّ" كاوتسكي، وكتاباته الأخيرة متسرعة لأنها مخطوطة في غمرة الأحداث؛ كتابات ماركس ما قبل 1845 لم تكن ماركسية، وكتاباته في الخمسينات والستينات من القرن الفائت لم تصبح بعد ماركسية، ورأس المال ذاته لا يخلو من انحراف إقتصادي... الترحال في الطبقات الإجتماعية بحثاً عن صاعق آخر للثورة أو عن مؤتمن جديد على مصيرها: من العمال إلى الفلاحين إلى المثقفين الثوريين إلى الطلاب إلى الشباب إلى الهامشيين إلى المقهورين من أبناء الدول المستعمَرة... الترحال في بنى المجتمع وأهميتها: فإذا كانت الأولوية للبنية التحتية نظرياً، فهي أحياناً للبنية الفوقية عملياً لا بل يمكن أن تكون لها نظرياً وعملياَ... الترحال في التحالفات: فتارة المطلوب جبهة شعبية عريضة تواجه إحتكاريين لا يتعدى عدد عائلاتهم المئة، وطوراً المطلوب مواجهة طبقية تجعل أحزاب الوسط وتنظيمات الأممية الثانية في مصاف أعداء العمال والكادحين...
وما سبق غيض من فيض من طوبوغرافية البداوة المتنقلة بين الحزب والجماهير، بين المركزية والديموقراطية، بين الجدلية والمادية، بين العلم والإيديولوجيا، بين التاريخ ونمط الإنتاج، بين التناقض الرئيس والوجه الرئيس للتناقض... كل ذلك اندثر مع سقوط "الكتلة الإشتراكية" وانهيار الإتحاد السوفياتي. والتساؤل اليوم عما يجري في الصين وكوريا الشمالية وكوبا وفيتنام... هو إما لإدراك مدى قمع الحريات في هذه البلدان، وإما للاستفهام عن حجم تغلغل الرأسمالية فيها قبل حلول التغيير المحتوم.

* * *

ولد النظام السوفياتي، مثله مثل الفاشية والنازية، من أحشاء الحرب العالمية الأولى التي أعطت للهمجية أبعاداً جديدة وأسقطت صورة المواجهة الكلية على الحياة السياسية، ومن إرتداد الظاهرة الكونية هذه غلى داخل المجتمع الروسي على شاكلة حرب أهلية بشعة. وشارك هذا النظام نظامي موسوليني وهتلر في عدد من سماتهما، مما جعل بعض المفكرين يدخلون هذه البنى جميعاً في إطار مفهوم موحّد هو "الأنظمة التوتاليتارية" المتمايزة عن أنظمة الحكم السلطوية والديكتاتورية التي عرفها التاريخ في مراحله السابقة. أبرز هذه السمات: قيام الأنظمة هذه على حركات جماهيرية مؤطرة وموجّهة من هيئات وتنظيمات شديدة التماسك؛ إرادة الثورة والنية المعلنة في التغيير والانقلاب على الماضي؛ رعاية الحزب والدولة لميادين الحياة الإجتماعية كافة من الإقتصاد إلى السياسة مروراً بالثقافة والتربية والفن؛ التشديد على دور الزعيم في قيادة المسيرة؛ العداء للدين... هذه السمات صحيحة، بلا أدنى ريب، وليس في غياب أفران الغاز عن معسكرات الإعتقال السوفياتية التي وصفها الكسندر سولجنتسين ما يخفف من إجرامها وقمعها. لكن الفروقات النظرية بين الشيوعية والفاشية تبقى كبيرة وفي طليعتها الأممية (ورفض التمييز العنصري والتعصب القومي)، ورفض الحرب كقيمة، والتأكيد على الحرية والمساواة والإخاء (رغم التحايل لعدم تطبيقها). الماركسية تبقى الأبنة الشرعية "لعصر الأنوار" والمشاكل التي واجهتها هي، في جزء كبير منها، مشاكل قدرة العقل على إقامة المجتمع على أسس حرّة دون الوقوع في نقيض المُرتجى.

* * *

ما قدّمه ماركس لعصره وعصرنا وللقرّاء والمناضلين هو الرؤية الشاملة للمجتمع والتاريخ، بعض المبادىء لفهم الطبيعة، أو لتدارك سوء فهمها (وهو ما تحوّل مع الأتباع إلى ميتافيزيقا جامدة). وما يميز هذه الرؤية أبعاد ثلاثة: إعتصارها الفكر الغربي في بعض من أهم أبعاده، إنقلابها على "المثالية" بأشكالها كافة، إرتباطها إلى حد الذوبان بالعمل والممارسة.
قال أنغلز، وردّد لينين ذلك بعده، إن للماركسية مصادر ثلاثة: الفلسفة الألمانية وعلم الإقتصاد الإنكليزي والإشتراكية الفرنسية. أما أول هذه المصادر، فهو بدوره محاولة لاسترجاع كل ما سبقه في ميدان الفكر، لا بل في ميدان التاريخ العام لابقائه وتغييره، لقبوله ورفضه في آن معاً Aufheben. هيغل – آخر محطات الفلسفة المثالية الألمانية – يجعل من الطريق لبلوغ المعرفة المعرفةَ ذاتها، ووسيلةَ الانتقال من الجزء إلى الكل الجامع، ومن الموضوع الخارجي إلى الذات: "إن الحق هو الكل. ولكن الكل ليس إلا الماهية في تحققها واكتمالها عن طريق نموها. فالمطلق يجب القول عنه: إنه في جوهره نتيجة، أي هو لا يصير ما هو إياه حقيقة إلا في الختام. في هذه الصيرورة تقوم طبيعته من حيث هو دخول فعلي في الواقع، ذات أو إنماء لنفسه بنفسه" (علم ظهور العقل، تصدير، 20). تشكل فلسفة هيغل ، في مطلع القرن التاسع عشر، أوسع محاولة في تاريخ الفكر للمّ ظواهر التاريخ كافة (الفن، الدين، التاريخ السياسي، الفلسفة...)، والكشف عن ماهيتها، وإدراجها في وحدة ترتّبها وتنظّمها دون تجاهل "جِدّ النفي وألمه"، وجعل حاضر الدولة والفلسفة حقيقة كل ما سبق، وإدراك هذه الحقيقة.
أخذ ماركس عن هيغل اكتشاف التاريخ الصائر إلى الكلية ومصالحة الخاص والعام، والنظرية والواقع، والذات والجوهر، عبر النفي وعمله، ودَمَجَ في هذا التصور نظرية صراع الطبقات المقتبسة عن المدرسة التاريخية الفرنسية (أوغستن تييري...) وعن مذاهب الإشتراكيين الفرنسيين (سان سيمون، برودون...)، فولّد رؤية تجمع دينامية النظرة الهيغلية إلى واقع الثورة الصناعية واحتدام الصراعات الناجمة عنها وعن أشكال القهر والاستغلال الجديدة. حدَّد ماركس الطبقات انطلاقاً من موقعها في عملية الانتاج، وأشار إلى الإقتصاد على أنه العامل المحدّد في البنية الإجتماعية، فبدت نظريته أقرب إلى "أكواخ الواقع" مما كانته "قصور الأفكار" التي شيّدها هيغل. وقارب ماركس الحداثة الإقتصادية، فدرس أكثر الأنظمة الرأسمالية تطوراً في عصره، ألا وهو النموذج البريطاني، وذلك عبر أبرز الإقتصديين الإنكليز (ريكاردو...)، فأخذ عنهم قانون القيمة – العمل ونظرية نزعة نسبة الأرباح إلى الهبوط، وأعاد هيكلتهما في "نقد (ه) للأقتصاد السياسي" (العنوان الفرعي لكتاب رأس المال). وبدى فكر ماركس، نتيجة جمعه التراث الفلسفي ودراسة الواقع والرؤية المستقبلية، ونتيجة إدراك عوامل التناقض الحادة في المجتمع وأهمية المسائل المعيشية، صرحاً لا يمكن أن تناقشه اية عمارة فكرية أخرى، وهيئة محاكمة دائمة للانتقادات الموجهة له والمدانة مسبقاً لتماهيها مع وجهات نظر طبقية معادية للكادحين وللمستقبل الرحب.
البعد الثاني للنظرية الماركسية هو حربها على "المثالية" بأشكالها كافة وفي طليعتها الشكل الديني: "نقد الدين شرط كل نقد". ونقد الدين في الماركسية مزدوج إذ ليس رفضاً نظرياً للسماوات والحياة الأخرى وحسب، بل هو دعوة إلى نقد الواقع المنتج لهذه الرؤية: "إن مطالبة الشعب بالتخلّي عن الأوهام المحيطة بواقعه هي مطالبة الشعب بالتخلّي عن الواقع المحتاج إلى أوهام". ونقد الدين نموذج لكل نقد آخر لأنه يدرّب الفكر على كشف السموات الخفية في الميادين النظرية والعملية الأخرى مثل الفلسفة والسياسة والإقتصاد. "مهمة التاريخ، بعد تبديد الحياة الأخرى، إقامة حقيقة الحياة الحاضرة. وأولى مهمات الفلسفة، التي هي في خدمة التاريخ، بعد كشفها الصورة المقدسة لتخلِّي الإنسان عن ذاته، كشف الأشكال الزمنية لهذا التخلِّي. وهكذا يتحوَّل نقد السماء إلى نقد الأرض، نقد الدين إلى نقد القانون، نقد اللاهوت إلى نقد السياسة". الفلسفة الهيغلية تُحِل "الوعي بالذات" محل الإنسان والنظرية السياسية تجعل من الدولة واقعاً مثالياً متعالياً عن تناقض القوى الإجتماعية المتصارعة.
يكمن عداء الماركسية "للمثالية"، أو ما يسمى "ماديتها"، في بنائها المجتمع على قواعد الحياة الإقتصادية (وهو ما يشدّ بها إلى الواقع في مواجهة صيرورة "الروح الكلي" عند هيغل و"الحالات الثلاث" عند أوغست كومت...) وفي ممارسة الإرتياب Exercice du soupçon تجاه العمارات الفكرية الأخرى، وهو ما قام به ماركس منهجياً قبل نيتشه وفرويد، محيلاً هذه العمارات إلى "إيديولوجيات" تمثِّل هوامات بعيدة عن الواقع ووجهات نظر طبقات بائدة.
البُعد الثالث للماركسية هو الأهمية المعطاة فيها للممارسة ("إن العيب الرئيسي لمادية الفلاسفة كلهم... هو أن الشيء أو الواقع أو العالم المحسوس لا تُدْرَك فيها إلا على صورة الموضوع أو الحدس وليس كنشاط إنساني ملموس أو ممارسة...") والتوجُّه نحو العمل ("لم يقم الفلاسفة إلا بتفسير العالم بطرق مختلفة؛ المهم هو تغييره"). ويضاف إلى إغراء الماركسية "وموضوعيتها" قبول المثقفين من دعاتها بالزوال في حركة العمال التائقة إلى فرض حُكمها وإنهاء التاريخ من جهة، واعتبار الصيرورة التاريخية حتمية، فالمستقبل المضيء يخرج من الحاضر ولا يفرض عليه فرضاً، من جهة أخرى. وما الثورة إلا قفزة الحرية في الحتمية وتعجيل لمآلها.

* * *

ما الذي يبقى من فكر ماركس في مطلع القرن الواحد والعشرين، وهو الذي أقيمت على اسمه أنظمة حقّقت للمقهورين إنتصارات كبيرة – بعد هزائم لم تكف عن التوالي من إنتفاضة سبارتاكوس إلى عامية باريس – وأدّت، في الآن نفسه، إلى أبشع أشكال الطغيان؟ بصرف النظر عن المسائل السوسيولوجية مثل موقع الطبقة العاملة في المجتمعات الحديثة وأولوية الإقتصاد في البنية الإجتماعية... ما يبعدنا عن ماركس هو مفاهيم عدة بقي هو من أربابها: مفهوم الكلية الجامعة للظواهر كافة، مفهوم التاريخ السائر إلى نهايته، مفهوم التناسق المعلِن عن نفسه والكاتم لها: تناسق الحرية والحتمية، تناسق النظرية والممارسة، تناسق الرفاهية والعدالة...
تجلّت رومنطيقية ماركس الخفية في أمانته لثائريَن خرافيين واكبا سيرته الفكرية منذ البداية: برومثيوس، سارق النار المجسَّد لثورة الإنسان وتحدّي الآلهة. والشيطان، "أمير الظلمات"، عدو التناسق، ملهم "الأناشيد المتوحشة"(1). في ما خص ثورة الإنسان، إنتهى القرن العشرين على فشلها في إرادة السيطرة التامة على المجتمع والطبيعة وعلى أمثولة ضرورة تعدد مراكز القرار ومراقبتها لبعضها البعض. في ما خص الشيطان، كانت المفاجأة أن ماركس هو إلى جانب الآلهة في صياغة الكلية والتناسق وإدراكهما، إن لم يكن هو تعالى ذاته.

* نشرت هذه المقالة في ملحق النهار السنوي للعام 2000، أشرف عليه سمير قضير وصدر في 20 كانون الأول 1999.
(1) أنظر قصيدة ماركس Der Spielmann من مجموعة Wilde Lieder  (1841)  في
Karl Marx: Œuvres, III, Philosophie, la Pléiade, Gallimard, pp. 1380-1382.


Le 10/12/1999