Thursday, 13 February 2014

ماركس ما بعد الماركسية*

إنهارت عقيدتنا الماركسية قبل انهيار الإتحاد السوفياتي وملحقاته من الأنظمة والأحزاب. وقبل الإنهيارين، أي في أوج إلتزامنا الماركسي، فقدت دولة لينين وستالين وخلفائهما هالتها وقدسيتها في قلب إيماننا، وأصبحت عرضة دائمة للتشكيك والانتقاد في المجمل والتفاصيل. رغم نسق التوالي هذا، شكّل سقوط "دولة العمال" الأولى في التاريخ، بهذه الطريقة المفاجئة، حَدَثاً صاعقاً يكاد يناهز في أهميته قنابل القرن العشرين الثلاث (الذرية والمعلوماتية والديموغرافية) التي تحدّث عنها إينشتاين.
رحلت "الشيوعية" عن "وطنها" الأول بعد ما يزيد عن السبعين عاماً على حلولها فيه، دون ثورة ولا حرب، آخذة معها نزوع الماركسيين الدائم إلى انقاذها عبر الترحال في الميادين كافة. الترحال في الأقاليم بحثاً عن البلاد التي تحمل المشعل بعد سقوطه من يد غيرها: روسيا بعد فشل الثورة في البلدان الرأسمالية، الصين بعد التحريفية السوفياتية، يوغوسلافيا التسيير الذاتي، كوبا الصمود، فيتنام المقاومة، ظُفار العروبة... الترحال في الأسماء بحثاً عن القائد المعصوم: لينين، ستالين، تروتسكي، ماوتسي تونغ، كاسترو، جيفارا، هو شي منه، برلنغر... الترحال في الكتابات بحثاً عن النص الشافي والخالص من كل شائبة: فكتابات لينين الأولى لم تكن بعد جدلية، وكتاباته اللاحقة شديدة التأثر "بالمرتدّ" كاوتسكي، وكتاباته الأخيرة متسرعة لأنها مخطوطة في غمرة الأحداث؛ كتابات ماركس ما قبل 1845 لم تكن ماركسية، وكتاباته في الخمسينات والستينات من القرن الفائت لم تصبح بعد ماركسية، ورأس المال ذاته لا يخلو من انحراف إقتصادي... الترحال في الطبقات الإجتماعية بحثاً عن صاعق آخر للثورة أو عن مؤتمن جديد على مصيرها: من العمال إلى الفلاحين إلى المثقفين الثوريين إلى الطلاب إلى الشباب إلى الهامشيين إلى المقهورين من أبناء الدول المستعمَرة... الترحال في بنى المجتمع وأهميتها: فإذا كانت الأولوية للبنية التحتية نظرياً، فهي أحياناً للبنية الفوقية عملياً لا بل يمكن أن تكون لها نظرياً وعملياَ... الترحال في التحالفات: فتارة المطلوب جبهة شعبية عريضة تواجه إحتكاريين لا يتعدى عدد عائلاتهم المئة، وطوراً المطلوب مواجهة طبقية تجعل أحزاب الوسط وتنظيمات الأممية الثانية في مصاف أعداء العمال والكادحين...
وما سبق غيض من فيض من طوبوغرافية البداوة المتنقلة بين الحزب والجماهير، بين المركزية والديموقراطية، بين الجدلية والمادية، بين العلم والإيديولوجيا، بين التاريخ ونمط الإنتاج، بين التناقض الرئيس والوجه الرئيس للتناقض... كل ذلك اندثر مع سقوط "الكتلة الإشتراكية" وانهيار الإتحاد السوفياتي. والتساؤل اليوم عما يجري في الصين وكوريا الشمالية وكوبا وفيتنام... هو إما لإدراك مدى قمع الحريات في هذه البلدان، وإما للاستفهام عن حجم تغلغل الرأسمالية فيها قبل حلول التغيير المحتوم.

* * *

ولد النظام السوفياتي، مثله مثل الفاشية والنازية، من أحشاء الحرب العالمية الأولى التي أعطت للهمجية أبعاداً جديدة وأسقطت صورة المواجهة الكلية على الحياة السياسية، ومن إرتداد الظاهرة الكونية هذه غلى داخل المجتمع الروسي على شاكلة حرب أهلية بشعة. وشارك هذا النظام نظامي موسوليني وهتلر في عدد من سماتهما، مما جعل بعض المفكرين يدخلون هذه البنى جميعاً في إطار مفهوم موحّد هو "الأنظمة التوتاليتارية" المتمايزة عن أنظمة الحكم السلطوية والديكتاتورية التي عرفها التاريخ في مراحله السابقة. أبرز هذه السمات: قيام الأنظمة هذه على حركات جماهيرية مؤطرة وموجّهة من هيئات وتنظيمات شديدة التماسك؛ إرادة الثورة والنية المعلنة في التغيير والانقلاب على الماضي؛ رعاية الحزب والدولة لميادين الحياة الإجتماعية كافة من الإقتصاد إلى السياسة مروراً بالثقافة والتربية والفن؛ التشديد على دور الزعيم في قيادة المسيرة؛ العداء للدين... هذه السمات صحيحة، بلا أدنى ريب، وليس في غياب أفران الغاز عن معسكرات الإعتقال السوفياتية التي وصفها الكسندر سولجنتسين ما يخفف من إجرامها وقمعها. لكن الفروقات النظرية بين الشيوعية والفاشية تبقى كبيرة وفي طليعتها الأممية (ورفض التمييز العنصري والتعصب القومي)، ورفض الحرب كقيمة، والتأكيد على الحرية والمساواة والإخاء (رغم التحايل لعدم تطبيقها). الماركسية تبقى الأبنة الشرعية "لعصر الأنوار" والمشاكل التي واجهتها هي، في جزء كبير منها، مشاكل قدرة العقل على إقامة المجتمع على أسس حرّة دون الوقوع في نقيض المُرتجى.

* * *

ما قدّمه ماركس لعصره وعصرنا وللقرّاء والمناضلين هو الرؤية الشاملة للمجتمع والتاريخ، بعض المبادىء لفهم الطبيعة، أو لتدارك سوء فهمها (وهو ما تحوّل مع الأتباع إلى ميتافيزيقا جامدة). وما يميز هذه الرؤية أبعاد ثلاثة: إعتصارها الفكر الغربي في بعض من أهم أبعاده، إنقلابها على "المثالية" بأشكالها كافة، إرتباطها إلى حد الذوبان بالعمل والممارسة.
قال أنغلز، وردّد لينين ذلك بعده، إن للماركسية مصادر ثلاثة: الفلسفة الألمانية وعلم الإقتصاد الإنكليزي والإشتراكية الفرنسية. أما أول هذه المصادر، فهو بدوره محاولة لاسترجاع كل ما سبقه في ميدان الفكر، لا بل في ميدان التاريخ العام لابقائه وتغييره، لقبوله ورفضه في آن معاً Aufheben. هيغل – آخر محطات الفلسفة المثالية الألمانية – يجعل من الطريق لبلوغ المعرفة المعرفةَ ذاتها، ووسيلةَ الانتقال من الجزء إلى الكل الجامع، ومن الموضوع الخارجي إلى الذات: "إن الحق هو الكل. ولكن الكل ليس إلا الماهية في تحققها واكتمالها عن طريق نموها. فالمطلق يجب القول عنه: إنه في جوهره نتيجة، أي هو لا يصير ما هو إياه حقيقة إلا في الختام. في هذه الصيرورة تقوم طبيعته من حيث هو دخول فعلي في الواقع، ذات أو إنماء لنفسه بنفسه" (علم ظهور العقل، تصدير، 20). تشكل فلسفة هيغل ، في مطلع القرن التاسع عشر، أوسع محاولة في تاريخ الفكر للمّ ظواهر التاريخ كافة (الفن، الدين، التاريخ السياسي، الفلسفة...)، والكشف عن ماهيتها، وإدراجها في وحدة ترتّبها وتنظّمها دون تجاهل "جِدّ النفي وألمه"، وجعل حاضر الدولة والفلسفة حقيقة كل ما سبق، وإدراك هذه الحقيقة.
أخذ ماركس عن هيغل اكتشاف التاريخ الصائر إلى الكلية ومصالحة الخاص والعام، والنظرية والواقع، والذات والجوهر، عبر النفي وعمله، ودَمَجَ في هذا التصور نظرية صراع الطبقات المقتبسة عن المدرسة التاريخية الفرنسية (أوغستن تييري...) وعن مذاهب الإشتراكيين الفرنسيين (سان سيمون، برودون...)، فولّد رؤية تجمع دينامية النظرة الهيغلية إلى واقع الثورة الصناعية واحتدام الصراعات الناجمة عنها وعن أشكال القهر والاستغلال الجديدة. حدَّد ماركس الطبقات انطلاقاً من موقعها في عملية الانتاج، وأشار إلى الإقتصاد على أنه العامل المحدّد في البنية الإجتماعية، فبدت نظريته أقرب إلى "أكواخ الواقع" مما كانته "قصور الأفكار" التي شيّدها هيغل. وقارب ماركس الحداثة الإقتصادية، فدرس أكثر الأنظمة الرأسمالية تطوراً في عصره، ألا وهو النموذج البريطاني، وذلك عبر أبرز الإقتصديين الإنكليز (ريكاردو...)، فأخذ عنهم قانون القيمة – العمل ونظرية نزعة نسبة الأرباح إلى الهبوط، وأعاد هيكلتهما في "نقد (ه) للأقتصاد السياسي" (العنوان الفرعي لكتاب رأس المال). وبدى فكر ماركس، نتيجة جمعه التراث الفلسفي ودراسة الواقع والرؤية المستقبلية، ونتيجة إدراك عوامل التناقض الحادة في المجتمع وأهمية المسائل المعيشية، صرحاً لا يمكن أن تناقشه اية عمارة فكرية أخرى، وهيئة محاكمة دائمة للانتقادات الموجهة له والمدانة مسبقاً لتماهيها مع وجهات نظر طبقية معادية للكادحين وللمستقبل الرحب.
البعد الثاني للنظرية الماركسية هو حربها على "المثالية" بأشكالها كافة وفي طليعتها الشكل الديني: "نقد الدين شرط كل نقد". ونقد الدين في الماركسية مزدوج إذ ليس رفضاً نظرياً للسماوات والحياة الأخرى وحسب، بل هو دعوة إلى نقد الواقع المنتج لهذه الرؤية: "إن مطالبة الشعب بالتخلّي عن الأوهام المحيطة بواقعه هي مطالبة الشعب بالتخلّي عن الواقع المحتاج إلى أوهام". ونقد الدين نموذج لكل نقد آخر لأنه يدرّب الفكر على كشف السموات الخفية في الميادين النظرية والعملية الأخرى مثل الفلسفة والسياسة والإقتصاد. "مهمة التاريخ، بعد تبديد الحياة الأخرى، إقامة حقيقة الحياة الحاضرة. وأولى مهمات الفلسفة، التي هي في خدمة التاريخ، بعد كشفها الصورة المقدسة لتخلِّي الإنسان عن ذاته، كشف الأشكال الزمنية لهذا التخلِّي. وهكذا يتحوَّل نقد السماء إلى نقد الأرض، نقد الدين إلى نقد القانون، نقد اللاهوت إلى نقد السياسة". الفلسفة الهيغلية تُحِل "الوعي بالذات" محل الإنسان والنظرية السياسية تجعل من الدولة واقعاً مثالياً متعالياً عن تناقض القوى الإجتماعية المتصارعة.
يكمن عداء الماركسية "للمثالية"، أو ما يسمى "ماديتها"، في بنائها المجتمع على قواعد الحياة الإقتصادية (وهو ما يشدّ بها إلى الواقع في مواجهة صيرورة "الروح الكلي" عند هيغل و"الحالات الثلاث" عند أوغست كومت...) وفي ممارسة الإرتياب Exercice du soupçon تجاه العمارات الفكرية الأخرى، وهو ما قام به ماركس منهجياً قبل نيتشه وفرويد، محيلاً هذه العمارات إلى "إيديولوجيات" تمثِّل هوامات بعيدة عن الواقع ووجهات نظر طبقات بائدة.
البُعد الثالث للماركسية هو الأهمية المعطاة فيها للممارسة ("إن العيب الرئيسي لمادية الفلاسفة كلهم... هو أن الشيء أو الواقع أو العالم المحسوس لا تُدْرَك فيها إلا على صورة الموضوع أو الحدس وليس كنشاط إنساني ملموس أو ممارسة...") والتوجُّه نحو العمل ("لم يقم الفلاسفة إلا بتفسير العالم بطرق مختلفة؛ المهم هو تغييره"). ويضاف إلى إغراء الماركسية "وموضوعيتها" قبول المثقفين من دعاتها بالزوال في حركة العمال التائقة إلى فرض حُكمها وإنهاء التاريخ من جهة، واعتبار الصيرورة التاريخية حتمية، فالمستقبل المضيء يخرج من الحاضر ولا يفرض عليه فرضاً، من جهة أخرى. وما الثورة إلا قفزة الحرية في الحتمية وتعجيل لمآلها.

* * *

ما الذي يبقى من فكر ماركس في مطلع القرن الواحد والعشرين، وهو الذي أقيمت على اسمه أنظمة حقّقت للمقهورين إنتصارات كبيرة – بعد هزائم لم تكف عن التوالي من إنتفاضة سبارتاكوس إلى عامية باريس – وأدّت، في الآن نفسه، إلى أبشع أشكال الطغيان؟ بصرف النظر عن المسائل السوسيولوجية مثل موقع الطبقة العاملة في المجتمعات الحديثة وأولوية الإقتصاد في البنية الإجتماعية... ما يبعدنا عن ماركس هو مفاهيم عدة بقي هو من أربابها: مفهوم الكلية الجامعة للظواهر كافة، مفهوم التاريخ السائر إلى نهايته، مفهوم التناسق المعلِن عن نفسه والكاتم لها: تناسق الحرية والحتمية، تناسق النظرية والممارسة، تناسق الرفاهية والعدالة...
تجلّت رومنطيقية ماركس الخفية في أمانته لثائريَن خرافيين واكبا سيرته الفكرية منذ البداية: برومثيوس، سارق النار المجسَّد لثورة الإنسان وتحدّي الآلهة. والشيطان، "أمير الظلمات"، عدو التناسق، ملهم "الأناشيد المتوحشة"(1). في ما خص ثورة الإنسان، إنتهى القرن العشرين على فشلها في إرادة السيطرة التامة على المجتمع والطبيعة وعلى أمثولة ضرورة تعدد مراكز القرار ومراقبتها لبعضها البعض. في ما خص الشيطان، كانت المفاجأة أن ماركس هو إلى جانب الآلهة في صياغة الكلية والتناسق وإدراكهما، إن لم يكن هو تعالى ذاته.

* نشرت هذه المقالة في ملحق النهار السنوي للعام 2000، أشرف عليه سمير قضير وصدر في 20 كانون الأول 1999.
(1) أنظر قصيدة ماركس Der Spielmann من مجموعة Wilde Lieder  (1841)  في
Karl Marx: Œuvres, III, Philosophie, la Pléiade, Gallimard, pp. 1380-1382.


Le 10/12/1999

No comments: