Tuesday, 8 January 2013

الندوة اللبنانية: المحاضرة الأولى "رسالتي كنائب" لكمال جنبلاط


                                            




                                        1   
        يوم ألقى كمال جنبلاط أولى محاضرات "الندوة اللبنانية" في 18 تشرين الثاني 1946، لم يكن قد أنهى العقد الثالث من العمر (ولد عام 1917). كان نائبا منذ 3 سنوات وعلى وشك دخول الوزارة للمرة الأولى (كانون الأول 1946). كان عازبا وكانت والدته الست نظيرة، سيدة قصر المختارة لعقود، ما زالت ترخي بظلها على سياسة البيت الجنبلاطي، ولم يكن الابن قد أسس بعد الحزب التقدمي الاشتراكي (1949).
        كان من الطبيعي أن يتناول أوسعُ النواب ثقافةً وأرسخُهم زعامة وأكثرهم وعداً وأغناهم تطلعا رسالة(ه) كنائب، وأن ينتقل من منبر البرلمان إلى منبر الندوة، من خطاب الساحة السياسية إلى الكلام الهادئ على قواعد الخطاب ومرماه، من الممارسة المشوبة بألف عيب إلى الرسالة في تعريفها وصفائها والجلال.
 لكن المُحاضرَ أعلن بداية "انتدابه"، وآخرين، لمعالجة مواضيع اختارتها "الندوة" لهم، وانتهز الفرصة لإعلان تعاليه عن السياسة:
" ولو كنتُ حرّاً مختاراً لتركت السياسة جانبا ولنبذتها حتى من تفكيري ولاخترت موضوعاً علميا شيقا يتصل(...) بمشكلات العالم ولبنان..."
مقترحاً  للندوة اللبنانية شعاراً أفلاطونيّ الشكل:

                                "لايُقبل السياسيون في هذه الندوة"

        ثم صحّح المسار قليلا بدعوته إلى عدم "التطرّف في إقصاء السياسيين" لأنه "لولا وجود هذه الفئة من السياسيين المتسوسين التي تتنوع أساليبها ومميزاتها من الحكمة البرجوازية إلى المكيافيلية الخطرة إلى العلم الناقص الأشد خطرا" لما كان بالإمكان الذهاب إلى أبعد من ذلك أي إلى "تكوين الإنسان الكامل وبناء المجتمع الأمثل".
        وأخيرا انعطف المحاضرُ بالموضوع، بعد رفضه السياسة ثم قبوله المشروط بها، إلى رؤيا ميتافيزيقية شاملة  عبر أسطورة  درزية " في غاية من الروعة والجمال ". فإذا كان الخير قبل الشر في الوجود، فإن الشر قبل الخير في المجتمع  ما يجعلُ حربَ " القوى البّناءة النيّرة المختارة" على السياسيين ذات بُعد كونيّ ولو في صورة مختلفة.  
        وهكذا وقبل الدخول في موضوع المحاضرة، يكون المحاضرُ قد حقّق، عبر تعرج ثلاثي، المرامي الآتية:
1.    تعالى عن السياسة والسياسيين، مع أنه واحدٌ منهم ويبحث في دورهم.
2.    خرج من الإطار السياسي الضيّق إلى الآفاق الفلسفية الواسعة (الخلق والخير والشر) محققا ما أشار إليه من السمو على ممتهني السياسة وأنصاف علمائها.
3.    أكد منهجاً في البحث والعرض يقوم على رؤية للوجود، منهجاً قواعدُه "التعاكسُ والنضال والتناقض والاحتكاك المستمر" أي الانتقال من الإيجاب إلى الضد (أو العكس)، إلى الصهر والتخطي غير المتناهيين في  كينونة جديدة.
4.    أشار مواربة إلى انتمائه الدرزي عبر ذكرالعقيدة والاستقاء من رؤياها والكلام على جذورها وهي العقيدة الباطنية غيرالمنشورة.
5.    عرّف العقيدة الدرزية  بحركة متوازنةعلى أنها "دين" وأن أصولها التاريخية تعود إلى "الانفصالية الشيعية" من جهة، والفلسفة الإسكندرانية من جهة ثانية. (وهو ما يثير علامات استفهام كثيرة.)

   
                               2
وقبل البدء بمعالجة الموضوع، نوّه المحاضرُ بأمرين:
1.    إعتماد "الأسلوب غير المباشر" لتبيان رسالة النائب، أي اعتبارها نتيجة الجو الديموقراطي الصحيح.
2.    صعوبة بحث المسألة في لبنان، وهو بلدٌ " تتبلور فيه وتتشابك وتتعانق فلسفات وعقائد ومدنيات متنوعة ومتعاكسة".

                           3
إنتقل نظرُ المحاضر إذاً إلى الديموقراطية، فتنقّل بين الفلاسفة والمشرّعين منوّعا المصادر، داخلا في  الارتباطات (هل تتحالف الديموقراطية مع الدين أم تخاصمه؟)  متطرقا إلى الجوهر (الحرية والمساواة)، مشدّداً على الروح (روح المحبة والعدالة...في تكوين الفرد والمجتمع)...ويمكن القول إن ما يمدّ هذا القسم بعصبه وحيويته هو ما سبق ذكره فيما يتعلّق بجوهر المنهج: أي التأكيد على الثنائيات (الشرق والغرب، النموذج الإنكليزي والنموذج الأميركي، الروحية والمؤسسات، الحرية الصورية والحرية العملية الواقعية، المساواة الاقتصادية والمساواة السياسية...) والسعي إلى التوفيق بينها:
ففي التوفيق والجمع بين هذين المفهومين - الطمأنينة والحرية - السبيل الوحيد الباقي لتحقيق الديموقراطية الصحيحة الشاملة والسبيل الوحيد لخلاص الديموقراطية الغربية والأميركية والتي تنتسب إليها، والوسيلة الباقية للتجدد ولإبداع حضارة إنسانية جديدة. وإلاّ فالأعلامُ الحمراءُ سترتفع على قمم الأرض كلها..

                               4

    عاد كمال جنبلاط، بعد استرساله في الكلام على الديموقراطية ، إلى موضوع المحاضرة، رسالة النائب، فرأى أنها تربوية في جوهرها:
إن رسالتي كنائب تشمل في الجوهر تفهّم وتفهيم الديموقراطية الصحيحة لمواطنيّ اللبنانيين (...)
مؤكداً سمو المبادئ التي على النائب تفهمها وتفهيمها:
        (...) مبادئ هي فوق متناول الدولة والسلطة البشرية بصورة عامة، لا تنتظم بالنسبة إلى الدولة، بل تنتظم الدولة وأنظمتها بالنسبة إليها (...) حق الحياة والحرية والسعي وراء السعادة.  
        أورد المحاضرُ موادّ في الدستور الأميركي تدعم رؤيته. لكنه في كلامه النظري أخرج السياسة من النيابة مرتين: مرة حين جعل رسالة النائب تربوية في جوهرها (مغفلا أدوار النائب الكلاسيكية الثلاثة: التشريع والرقابة والانتخاب). ومرة ثانية حين جعل المبادئ التي يعمل النائب لها وبمقتضاها فلسفيةً (مبادئ الحق الطبيعي) أو دينيةً، وفي مطلق الأحوال خارج الإطار السياسي.

                                                 5
رأى المحاضرُ في الختام، وقبل الإشادة القوية المفعمة أملاً ورجاءً  بلبنان ورسالته وتاريخه، أن عليه إثبات حقيقة واقعية لم يتمكن من إخفائها في بحثه، وهي تجذّرُ الديموقراطية، وكل ما يواكبها من مفاهيم وعبارات، في مدنية معيّنة هي مدنية الغرب. والمجاهرة بالأمر جزء من الواجب التربوي والتنويري.  ولا يعتمد هذا التأكيد على فلسفة التاريخ أو فلسفة الحضارات وحسب، بل على الفلسفة العامة أيضاً:
فالمدنية، في جوهرها، لا يمكنها إلا أن تكون واحدة، لأنها في النهاية صورة وانعكاس للحقيقة، على تنوّعاتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، في الخلق وفي الوجود. والحقُ واحدٌ والإنسانيةُ واحدةٌ في جوهرها.
وهكذا نبذ جنبلاط القول بحضارات عدة، وكذلك نبذ تعاليم الأفغاني ومحمد حسين هيكل المنادية بمدنية شرقية غير المدنية الغربية. لكنه  بتمييزه بين الشكل والجوهر (المدنيات في العالم تختلف من حيث الشكل لا من حيث الجوهر)، وبتأكيده على " فيض الخلق الزاخر محبة والمتفجر حنانا على الوجود " جَعَلَ حصرَ الحقيقة كلها في فئة دون أخرى من المحال، وجعل تعدّدَ الأمم والمدنيات امكاناً محققاً...

 خاتمة
        هل عالج كمال جنبلاط موضوع بحثه؟ هل وضع مدماكا لبناء الدولة في لبنان وأتاح الفرصة لتحسين أداء المجلس النيابي؟ هل جانبَ الصعوبة والغموض اللذين أشار إليهما؟ لكل إجابتُهُ. الأكيد هو أنه أخذ الموضوع من السياسة إلى الشمول الفلسفي[i]، وغذّى المحاضرةَ بالحركة والحياة، منتهزاً الفرصة لتمرير رسائل عدة لم تخفَ على النبهاء من المستمعين.






       
  


[i] " كمال جنبلاط يتحدث عن رسالة النائب فيدلي بآراء جديدة في الديموقراطية والحضارة" ، النهار، 20/11/1946.

* كُتب النصان "ما المحاضرة؟" و" المحاضرة الأولى: كمال جنبلاط "رسالتي كنائب" لكتاب "زمن الندوة 1946-1973"، إعداد رينه أسمر هربوز وفارس ساسين، بيروت 2012. 

No comments: