Saturday, 31 December 2016

فسحة إهدن الحلوة

           



مقدمتي لكتاب تيريز دحدح الدويهي "بين النعاس والنوم" الصادر عن شرق الكتاب، بيروت، 2016


           تأخذك قراءة نصوص تيريز دحدح دويهي، فتكتشف فيها عالماً لا يختلف كثيرا عن عالمك، لكنه مرسوم السمات، واضحها، غير قابل للإمتزاج أو المقارنة. عالم يقوم على ثنائيات: أهدن وزغرتا، البلدة وطرابلس، الماضي والحاضر، الرجولة والعواطف الحميمة ، الطفولة والكهولة، القديم والجديد، الحدّة والطيبة...لكنه عالمٌ له تآلفٌ خاص به يتولّد منه، ويتولّد مما أودعته فيه الكاتبة من حياتها وفنها ومزاياها بدون ادعاء أو تكلّف.
تتسآل: ما هوية النصوص هذه؟ هل تدخل في باب الوصف أم الذكريات أم الوجدانيات أم المرويّات أم التاريخ ؟ ما سرّ هذه البساطة وأين يكمن سحرها؟ وتجد نفسك مرغماً على الإقرار بأدب خفيّ ظاهر في كتابة أقرب ما تكون إلى الشهادة. هنا، حقاً، مجموعة من الشهادات عن الذات والأهل والأقارب والتقاليد. عن المدرسة الداخلية بين بساتين الليمون على طريق الميناء. عن "الفعالة السوريين" وتشرّدهم وقصص حبهم وأشكال تعاونهم... شهادات تشهد دقّتها على أمانتها، وعاطفتها على صدقها، ومروياتها ومكنوناتها على نبلها وترفّعها. يُختصر أدب الكاتبة  كله في كلامها عن الكبّة الزغرتاوية:  "تبتعد عن الإسفاف في المطيّبات من غير البصل والبهار، قليلة العناصر، أنيقة".
ليست النوستالجيا ما يملي على تيريز كتاباتها، بل تعبق النصوص بها، تجدها في الزوايا وفي القلب،  إلا أن الغلبة للعيش.  ما زال الماضي حاضرا في الوجدان والعادات، وهو ما قام الحاضرُ عليه. لكن الحاضر، بما هو حركة ودفق، تصميم وتشدّد، آفاق مفتوحة وملذات ودموع،   يضمّ الماضي إليه ويتوسّع به. يفيض الحاضر بالمهمات، فيستحوذ أبعاد الزمان كلها. " ليست المرة الأولى التي أسمع فيها هذه القصّة. لكنني أدركت اليوم ومتأخرة، ربما، أني أسمع قصّتي أنا".  مشيئة القدرة في التأليف تعكس مشيئة القدرة في الحياة اليومية وتشكل لها امتداداً.
ترسم لك المقالات الواحدة تلو الأخرى لوحة تاريخية لأجيال ثلاثة، فترى الصعود الاجتماعي لأبناء بلدة في جبل لبنان الشمالي. تلمس بالإصبع الكدّ والجدّ والعمل على الذات. تشهد التفاصيلُ الدقيقةُ والغنيةُ على صدق الشهادة، فلا مكان للتبجّح ولا إرادة للترويج الإيديولوجي. نشأ المعلم عساف في بيت ينام فيه تسعة أولاد على أربع فرشات "شقع" تُفرش في الليل وتُلفّ في النهار.لم يترك والده جِرس اللباس "العربي": الشروال واللبّادة . عمل عساف مكاريا ومقصّباً للحجر ثم انتقل إلى البناء وتنفيذ المشاريع الحكومية بمهارة الطوبوغرافي الجامعي وأصر على تعليم أبنائه "العلم الكافي" عند "الأجانب"  وأوصلهم إلى جامعات الطب وغيرها  .
       "ما سرّ هدوئهم؟ كيف السبيل إليه؟ مرّت بهم حرب "الأربتعش" والحرب الثانية وحوادث      زغرتا من أولها إلى حادثة إهدن في آخر أيامهم، إلى الفقر والتعب المضني والسعي الدائم وراء اللقمة المغموسة بعرق الجبين. رضوا بقسمتهم في هذه الدنيا وأمنوا لربّهم يوزّع بالعدل في دنيا الحقّ. لا عجب أني اكتفيت بصورتهم دون صور سائر القديسين!"
لا يقع قارئ الكتاب فيه على صعود الأجيال وحسب ، بل يجد داخل طيّات صفحاته  صورة حية لكل شخصية من الشخصيات ولأساليب تعاملها ولقصص عشقها وتديّنها ولأنواع ظرفها ونكاتها. وأي وصف هذا لمرض الألزهايمر بمراحله الصعبة؟ وأي مقارنة هذه لأنوثتين وشيخوختين!
وفي الشهادات إطلالات اتنوغرافية محبوكة بالسرد حبكاً عفويا وتطلّ على دُنى غابت بسرعة وعلى معتقدات وممارسات سُجل لها البقاء. " إهدن بتمجّد اسم الخالق".
تقرأ نصاً لتيريز دحدح  دويهي يدور حول موضوع، فترتحل مغتبطا من لقطةإلى أخرى، من التفصيل إلى اللوحة، من الذاكرة إلى الإحساس، من الواقعة إلى التحليل، من المشاهدة إلى الانفعال، من الأسطورة إلى التاريخ ... كأن عالمها عالمٌ من المرايا ينعكس عبره الخارجُ في الداخل والداخلُ في الخارج وقد تلوّن كلاهما بأقاويل الأهل وأرائهم وبالتراث.
تغادر الكتاب فلا تغادرك العطور والدروب، ويبقى الغسيلُ المنشور باتقان على حبل بين شجرتي الأسكدنيا والليمون عالقا في مقلتيك. وتبقى أمنيتك أن يتربى النشءُ الصاعدُ على هذه الشهادات.

جديتا في 4 أيلول 2016
          
                                                     فارس ساسين

No comments: