Saturday, 10 March 2012

SAMIR FRANGIEH


أيها الحضورالكريم،

سمير فرنجية اليوم إنسانٌ سعيد. سعيد أولاً بجمهوره الواسع، الذي هو في الحقيقة مدٌ من الأصدقاء ما زال يعلو من عقود وعقود وفيه الكثير من الألفة والألاّف، على قول ابن حزم الأندلسي. وهو سعيد بتداعي أبواب الفكر لتكريمه ومساءلة كتابه الأول لا الأخير، ويسجل له أنه كتابٌ شيّقٌ مترابطٌ متماسكٌ مسبوكٌ في وحدة التجربة والمرمى والثقافة وليس باعتباره مجموعة مقالات: الشعرُ هنا، والرواية ُ، والتاريخُ بمعناه الأوسع، والتطلعُ الفلسفي. وهو سعيد أخيراً لأننا تحلّقنا حوله، لا من الطوائف كلها، بل، على اختلاف مشاربنا الفكرية والسياسية ، آتين من الشمال والجنوب والبقاع، مما يثبّته في بيروتية عريقة يصنعها ويجددها العيش المشترك في المدينة الواحدة، مدينةِ الخصام والوئام، مدينةِ الكلِّ، بيروت.

أيها الحضور الكريم،

قبل أن أعطي الكلام للأصدقاء المشاركين في هذه الحلقة النقاشية ليُدلوا بدلوهم في هذا الكتاب العصارة Voyage au bout de la violence* الذي نقله إلى العربية رفيق الدرب لا بل الدروبِ كافة محمد حسين شمس الدين تحت عنوان رحلة إلى أقاصي العنف، أَودُّ باختصار أن أسجل ملاحظة وأن أبوحَ ببوح.

أمّا الملاحظة فهي أن ما يقوم به سمير فرنجية هو فينومينولجيا، بالمعنى الهيغلي، وهو ما ترجم بالظهورية والتمظهر والتجلّيات وعلم الظهور، فينومنيولوجيا العنف في لبنان منذ مطلع حروبه في 13 نيسان 1975 إلى اليومَ (فيما رواية سيلين في الكتاب الذي يحمل العنوان ذاته تقريبا فينومينوجيا بالمعنى الهوسرلي لأشكال البؤس العادي أي الفقر المتوسط): أي سبرُ غور التجربةِ التاريخية واكتناه معناها والإغتناء منها وعَبْرَها، أي إيلاؤها، بما هي سلبٌ لا إيجاب، معنى ومغزى يتيحان الخروج منها وتجاوزها وتخطيها. قد تظهر ظاهرة العنف اليوم، بعد أن كانت "قابلة" التاريخ و"رافعته" حسب إنجلز، سلبية ً كليا. لكن من كابدها وعرف بشاعاتها يودُّ التغلب عليها بالذهن وفي العيش ولاسيّما أنه أمضى فيها معظم حياته وما زال.

ولا بدّ من الإضافة هنا أن فينومينولجيا العنف اللبناني يجب أن تُتبع بفينومينولوجيا نقدية لأشكال العيش المشترك، فلا يظل الفردُ والدولة ُ رازحين تحت وطأة العديد من صوره.

وأما البوح، فهو بما شكـّله ويشكـّله سمير فرنجية لي ولآخرين من "ضاحي ظِّله" منذ أن عرفته إبّان صعود الحركة الطلابية في آخر الستينات أي منذ حوالى النصف قرن. شكل سمير دائما امكان (بالمعنى الفلسفي: غياب الاستحالة) فكرةٍ جديدةٍ وفسحةً لبدائلَ حرة. للعائلات بديل ،وللطوائف و اليسار التقليدي والعنف بديل ، و عن العداوة لسوريا و قبول هيمنتها المطلقة بديلٌ، وقبل ذلك عن النظام الطائفي وعن الدعوات الطائفية لإسقاطه بديل و للبديل بديل...تعرّج طريق سمير، انفتح وانغلق، جاور المهاوي...لكنه كان دائما خلاقا في التصور، حواريا في الجوهر، نابذا الديماغوجية، داعيا إلى العمل والأمل والقضاء على اليأس والجمود وإلى سبل عمل جماعي غيرِ مطروقة وغيرِ مألوفة. لم يطرح نفسه على أنه هو البديل ولم يساوم في سبيل ذلك، بل سعى إلى فكرةٍ بديلةٍ وتيار بديلٍ ومؤسساتٍ بديلةٍ و مواطنيةٍ بديلة. ما رسّخ صداقةَ اصدقائه له وجذب اليه الكثيرين وجعله ممتنعا على الأخصام. من يصادقه يجاهر بصداقته، ومن يعاديه يُخفي عداءه له لأن في ذلك ما يزيد في الخسارة.

ولنا نحن الزهو بهذه الصداقة.

*دار لوريان دي ليفر(بيروت)-أكت سود(فرنسا).

No comments: